وهذا كله مخالف- كما تقرر- لما جاء به الوحي ولما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، وأنه مع علوه بائن من خلقه، يعلم ما هم عليه لا يخفى عليه منهم خافية، واستواؤه على عرشه كما أخبر وعلى الوجه الذي عناه وأراده وكما يليق بجلاله، ففوقيته جل وعلا إنما هي فوقية ذات وفوقية قهر، واستواؤه على عرشه إنما هو استواء علو وارتفاع يليقان بجلاله، ونزوله سبحانه إلى خلقه محمول على حقيقته اللائقة به، وأنه يأتي لعباده يوم القيامة لفصل القضاء ويراه أهل الجنة كما يرون الشمس لا يضارون في رؤيته، لا نتكلف لذلك تأويلاً ولا تكييفاً، بل نقول كما قال سلفنا: آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء به رسول الله على مراد رسول الله، لا نطلب إماماً غير الكتاب والسنة ولا نتخطاهما إلى غيرهما ولا نتجاوز ما جاء فيهما، ننطق بما نطقا به ونسكت عما سكتا عنه ونسير سيرهما حيث سارا ونقف معهما حيث وقفا.
منشأ الخطأ عند علماء الكلام ولدى من تأثر بقول المفوضة من متأخري الأشاعرة:
غلب على ظن البعض من متأخري علماء الكلام ومن لا يزال متأثراً عن جهالة بمعتفدهم أو متشبثاً به في إصرار وعناد، أن التفويض في معنى الصفات هو طريق السلف، ويذكر أن الشهرستاني كان من أوائل من ذكر أن مذهب السلف هو التفويض وقد تبعه في ذلك إمام الحرمين في الرسالة النظامية والرازي في أساس التقديس (4) والسيوطي في الإتقان وغيره (5) ، ثم شاع هذا بين الباحثين قديماً وحديثاً وراج حتى اتخذت هذه العبارات شبهة تقرر من خلالها أن مذهب السلف هو التفويض وليس الإثبات، قال الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) :"ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما اعتقده السلف" (6) ، فقد أفاد في هذا النص أن إجراء آيات الصفات على ظاهرها هو زيادة على مذهب السلف وأن هذا لم يكن طريقهم ولا مرادهم في فهم صفات الله تعالى لكون القول بإجراء الصفات على ظاهرها مؤد لا محالة- على ما ظنه- إلى التشبيه الصرف.
وفضلاً عن عدم صحة ما ذكره في هذا الصدد فقد ناقض نفسه حين قال قبل ذلك بصفحة واحدة:"اعلم أن جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة، و.. لا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك"، ثم ذكر أن ممن يقول بهذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم، ولا يعني ذلك- على حد فهمه- إلا اعتقاد السلف أن ثمة فارقاً بين صفات الذات والصفات الخبرية، لوجوب تأويل الأخيرة حتى لا يتوهم منها التشبيه.
وقد أيد الإمام الرازي ت606 الشهرستاني ت548وذلك فيما جعله الأول في كتابه (أساس التقديس) قانوناً كلياً للمذهب، ويقضي هذا القانون الكلي وتلك القاعدة العامة التي أرساها الفخر الرازي في كتابه المذكور بـ"أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل"، وقد أداه تسليمه لما قرره لأن يفصح ويكشف اللثام عن أن الدلائل العقلية قاضية و"قاطعة بأن هذه الدلائل النقلية- يقصد تلك المفصحة عن الصفات الخبرية وصفات الأفعال والمتعارضة على حد زعمه مع الدلائل العقلية- إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظاهرها"، ثم يردف قائلاً:"ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع (7) بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات". أ.هـ من كلام الرازي"."
ويحق لنا هنا- ونحن نشير إلى أن التفويض لم يكن بحال من الأحوال مذهباً للسلف وإلى أن التشابه إنما كان مقصوراً لديهم على كيفيات الصفات دون معانيها- أن نتساءل أليس ما ذكره الشهرستاني من القول بالتفويض ومن أن المراد منها غير الظاهر وتبعه فيه الرازي، هو من قبيل ذكرالشيء وضده؟ وأليس ذلك وما ذكراه من نسبة كلٍّ للسلف هو التناقض بعينه؟، وألا يكفي ويشهد لما نسبه مؤخراً للسلف وعلى رأسهم مالك وأحمد والثوري وداود وغيرهم من إثبات لصفات الذات وصفات الفعل ومن إجراء للصفات جميعاً على ظاهرها دون ما تمثيل ولا تشبيه، أن يكون هو الحق الذي لا ينبغي الحياد عنه؟ وأليس ما ذكره في شأن صفات الفعل والصفات الاختيارية وإيهام أنهما شيئان مختلفان عن صفات الذات مدعاة للتفرقة بين صفات مثبتة وأخرى مثبتة كذلك؟.