فهرس الكتاب

الصفحة 7113 من 9994

وبمثل هذه التناقضات نطق الرازي حين ذكر في كتابه (أساس التأسيس) قبل تراجعه إلى مذهب السلف (8) :"أن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها" (9) ، فقد أوجب هنا تفويض معنى هذه المتشابهات- على حد زعمه- إلى الله ثم دعا إلى حملها على غير ظواهرها، فكيف يسوغ فيما كان كذلك أن يقع فيه التفويض؟ وكيف يتسنى القول بالتفويض ومجرد حملها على غير ظواهرها المفضي ضمناً إلى التأويل هو نقض للتفويض من الأساس؟، ثم إن كان (لا يجوز لنا- على حد قوله- الخوض في تفسيرها) فما فائدة القول إذن بحملها على غير ظاهرها أو القول علىسبيل التبرع بتأويلها؟.

وعلى نحو ما اغتر الرازي بكلام الشهرستاني، فقد اغتر زين الدين المقدسي بكلام الجويني الذي ذكر في الرسالة النظامية - قبل أن يتراجع- ما نصه:"وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقداً اتباع سلف الأمة"، إلى أن قال:"فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً ومحتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة" (10) .. ذلك أنه وبعد أن نقل في كتابه (أقاويل الثقات) قول السيوطي في الإتقان ص305:"وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث، على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى"، وكلام ابن الصلاح الذي قال فيه:"وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها".. لم يكتف بما نقله عنهما من القول بالتفويض في معنى الصفات حتى علق على ما ذكره لهما بأن هذا"القول، هو الحق وأسلم الطرق، فإنك تجد كل فريق من المتأولين يُخطّئ الآخر ويرد كلامه، ومن طالع كلام طوائف المتكلمين والمتصوفين عَلِم ذلك علم اليقين"، بل راح ينشد وينسج على هذا المنوال قائلاً:

"الناسُ شتى وآراءٌ مُفَرَّقَةُ"

كلٌ يَرىَ الحقَّ فيما قال واعْتَقَدَا" (11) "

وكلام المقدسي بهذا يحمل كثيراً من الخطأ كما يحمل كثيراً من الصواب، ذلك أنه وإن كان في ظاهره يعد رداً على عادة المعتزلة والنفاة من رفض سبيل التأويل الناشئ عن نفي الصفات ومن عدم حملها على ظواهرها، كما يعد إثباتاً لما نفوه في حق الله تعالى من صفات القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، إلا أنه يحمل في طياته الرضا بما ارتضوه هم وأولئك المتكلمون من متأخري الأشاعرة من تأويل سائر ما أثبته سبحانه لنفسه، لكون ذلك ببساطة شديدة هو منهج المتكلمين الذي ارتضاه لنفسه كما ارتضاه لنفسه كل من نقل عنهم وسلم لهم به ولم يتعقبهم، كما يحمل في طياته أن ما لم يمكن تأويله يجب تفويض المعنى فيه إلى الله، يقول ابن الصلاح فيما نقله عنه المقدسي في الأقاويل:"وهذا القول.. هو قول بالتفويض وعد الصفات من المتشابه"، ويقول ناقله:"اعلم- أيدني الله وإياك بروح منه- أن من المتشابه صفات الله تعالى، فإنه يتعذر الوقوف على تحقيق معانيها والإحاطة بها، بل على تحقيق الروح والعقل القائمين بالإنسان، وأهل الإسلام قد اتفقوا على إثبات ما أثبته الله لنفسه من أوصافه التي نطق بها القرآن من نحو سميع وبصير وعليم وقدير"، يعني ما أطلقوا عليه وأسموه بصفات المعاني، يقول:"ونافي ذلك كافر لأنه مكذب لصريح القرآن" (12) .

وقد شاع هذا الفهم المغلوط عن السلف بتناقضاته كما سنبين ذلك تفصيلاً، في عبارات المتكلمين- ممن حسبوا أنفسهم من الخلف أنهم أشاعرة - نظماً ونثراً ومتناً وشرحاً، ففي شرحه على ما جاء في جوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني:

وكل نص أوهم التشبيها

أوِّله أو فوِّض ورُم تنزيهاً

يقول البيجوري في كتابه (تحفة المريد على جوهرة التوحيد) :"قوله: (فوضه) أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم، إليه تعالى على طريقة السلف.. وقوله: (ورم تنزيهاً) أي واقصد تنزيهاً له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المعنى المراد" (13) .

فهو يرى أن ثمة نصوصاً في الصفات موهمة وأن هذه النصوص الموهمة - يقصد بها تيك الصفات الخبرية وصفات الأفعال - تستوجب صرفها عن ظاهرها بتأويل إجمالي يعقبه تفويض، كما يرى أن هذا الخليط العجيب هو ما ارتآه السلف معتقدين إياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت