على أن البيجوري لم يكتف بالجمع بين هذه المتناقضات في تأويل الصفة وصرفها عن ظاهر معناها، والقول مع هذا بتفويض علمها إلى الله والزعم بأن هذا المزيج هو معتقد السلف في الصفات، حتى راح يدعي عليهم أنهم فيما يوهم الجهة في نحو قوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم.. [النحل: 50] "يقولون: فوقية لا نعلمها"، وأنهم في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى.. [طه:5] ،"يقولون استواء لا نعلمه"، يقول هذا على الرغم من شهرة ما ورد عن مالك وغيره من أن (الاستواء معلوم) ، بل وعلى الرغم من سوقه عبارة مالك تلك في سياق كلامه.. كما يدعى البيجوري أن السلف في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا) "يقولون: مجيء ونزول لا نعلمهما"، وفي قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك.. الرحمن/ 27) وقوله: (يد الله فوق أيديهم.. الفتح/ 10) ، وحديث: (إن قلوب بني آدم كلها كقلب واحد بين أصبعين من أصابع الرحمن) ،"يقولون: لله وجه ويد وأصبع لا نعلمها"، وهكذا (14) ، وليس ذلك بغريب على من ترك الأمر فيما ظنه موهماً للتشبيه بالخيار بين التأويل والتفويض، ولا في حق من عد ذلك تنزيهاً لله عن المشابهة وأنشأ في ذلك النظم.
هذا والقول بالتفويض مما يكثر الكوثري أيضاً عزوه لأئمة السلف، فقد ذكر في تعليقه على كتاب (السيف الصقيل) ص13 أن"الذي عليه السلف إجراء ما ورد من الكتاب والسنة المشهورة في صفات الله سبحانه على اللسان، مع التنزيه بدون خوض في المعنى ومن غير تعيين المراد"، وأعاد الكوثري هذا المعنى في مواضع أخرى من الكتاب المذكور منه ص131، 145، وجرى على منواله الشيخ سلامة القضاعي العزامي حيث ذكر نحوه في غير ما موطن إبان تعليقه على كتاب البيهقي في (الأسماء والصفات) ، بله أنه كان في ذلك أكثر جرأة حين صرح في ص94 منه بأن"أكثر السلف على الكف عن بيان المعنى المراد اللائق بالحق تعالى"، وكرر مثل هذا في صفحات 5، 81 حيث نسب إلى أكثر السلف تنزيههم عن بيان المعنى اللائق بالله تعالى (15) .
فالعجب ممن ينسب إلى السلف الصالح القول بالتفويض في آيات وأحاديث الصفات ويرميهم بعدم البحث عن المراد منها على نحو ما ارتأينا، مع وضوح ما نقلناه عن سلف هذه الأمة بل ومع إجماعهم على القول بنقيضه ووضوح ما جاء عن الإمام مالك وشيوخه وعن أم سلمة أم المؤمنين في تصريحهم بأن الاستواء معلوم..
وباعتقادي أن أولئك الذين اتهموا السلف بما هم منه برءاء إنما أوتوا - كما ذكر ذلك غير واحد من محققي أهل العلم - من حيث ظنوا أن طريق السلف يكمن في مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك، فجعلوهم بهذا بمنزلة الأميين، وحاشاهم أن يكونوا كذلك.
والحمد لله رب العالمين.
(1) التوحيد لابن مندة3/ 34 وينظر كتابه الإيمان1/ 220، 2/ 758 وما بعدهما والعلو ص171 ومختصره ص 254والحجة للأصفهاني1/ 91والإبانة الصغرى لابن بطة ص206 وما بعدها والمعارج للشيخ حكمي1/148 .
(2) ينظر العلو ص 183ومختصره ص 270، 271 . (3) ينظر فتح رب البرية بتلخيص الحموية ص 50، 51 .
(4) وقد كان ذلك منهما قبل تراجعهما إلى مذهب السلف، فلا عجب إذن حين نلحظ تناقض كلامهما هنا مع آخر ما استقرا عليه.
(5) ومما قاله الأخير ونقله عنه ثلة من أهل العلم، منهم زين الدين المقدسي:"وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث، على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها".. الإتقان ص 305 طبع ونشر مكتبة مصر، وأقاويل الثقات ص65 .. والغريب في الأمر أن السيوطي يسوق ويدلل على قوله الذي أسلفنا، بقول الإمام مالك: (والاستواء غير مجهول) ، ولا ندري كيف يتأتى له أن يسوق ذلك الأثر على ما أوجبه من تفويض علم مثل ذلك إلى الله؟؟!!
(6) الملل والنحل للشهرستاني1/93 .
(7) هكذا وصلت قيمة نصوص الوحي إلى حد جعل الاشتغال بتأويلها-الذي هو تحريف لها- يعد تبرعاً وإحساناً.
(8) وفي شأن تراجعه المأمول بعد شناعة ما صدر عنه يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء21/501:"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر"، أما عن إمام الحرمين فسيأتي الحديث عن تراجعه هو الآخر وعن بعض ما صدر منه من عبارات في هذا الشأن.
(9) أساس التقديس للرازي ص223 . (01) العقيدة النظامية لإمام الحرمين ص165، 166 . (11) أقاويل الثقات ص67 .
(21) أقاويل الثقات للمقدسي ص67 . (31) شرح البيجوري على الجوهرة ص100 .
(41) شرح البيجوري ص101، 102 .
(51) وقد أشار إلى ذلك ونوه عليه الألباني في مختصره على كتاب العلو للذهبي ص36، 37 .