فهرس الكتاب

الصفحة 4908 من 9994

#دماء على طريق الدعوة

د. عبد الحي يوسف

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا, مَن يهده الله فلا مضلّ له, ومَن يضلل فلا هادي له, وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله, بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة, ونصح الأمّة، وجاهد في سبيل ربه حقّ الجهاد, ولم يترك شيئاً مما أُمر به إلاّ بلّغه, فتح الله به أعيناً عُمياً، وآذانا صُماً، وقلوباً غُلفاً, وهدى الناس مِن الضلالة، ونجّاهم مِن الجهالة, وبصّرهم مِن العمى, وأخرجهم مِن الظلمات إلى النور, وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيّك محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى, وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٍ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٍ، وكلَّ ضلالةٍ في النار, وما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى, وإنّ ما توعدون لآتٍ، وما أنتم بمعجزين.

أمّا بعد أيها المسلمون عباد الله!

فإن السيرة النبوية المباركة كتابٌ ناطق, وصفحاتٌ شاهدة, بمقدار ما تنطوي عليه قلوب الكافرين من عداوة لله رسوله, ولعباد الله المؤمنين, كتابٌ ناطقٌ بعداوة هؤلاء, للحقّ وأهله, كتابٌ ناطقٌ بما يجب أنْ يكون عليه المسلمون من حرصٍ وحذرٍ, وجهادٍ وبذلٍ, وحبٍ للفداء والتضحية.

إنّ أحداث السيرة النبوية المباركة يستلهم منها المسلمون المؤمنون دروساً وعبراً، لحاضرهم ومستقبلهم, فإنّ الله عز وجل قد خاطبنا معشر المؤمنين بقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) ، ليست أحداث السيرة المباركة حكاياتٍ مَضَتْ وانقضت وعفى أثرها, وذهب أمرها, بل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرآةٌ فاحصة، إذا نظر فيها المسلم أدرك ما يدور حوله, وعرف أنّ الذي أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مِن أحزانٍ, وآلامٍ, وجراحٍ, ودماءٍ, وأشلاءٍ, كل ذلك أُريد منه أنْ يتعلّم المسلمون أنّ تاريخ الدعوة طويلٌ, وأنّ الكافرين لا يرقبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمة, لا يُضمِرون لهم خيراً, ولا يفون بعهدٍ ولا ميثاق, وأنّهم أشدُّ الناس عداوة للمؤمنين.. لأهل الحق.. لأصحاب الهدى.

أيها المسلمون عباد الله! حدثان عظيمان في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما غفل الناس عنهما, وما انتبهوا إليهما, كثيراً ما كان ينبغي أنْ يُعرض هذان الحدثان بتفاصيلهما من أجل أنْ يَعرف الناس أنّ نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم في طريقه للدعوة فَقَدَ أصحاباً, وأنصاراً, وإخواناً, وأصهاراً, جاهدوا في الله حقّ جهاده, وثبتوا على المبدأ مِن أولِّ أمْرِهم إلى نهاية أعمارِهِم, كانوا بالعهد موفين, وكانوا على الصراط المستقيم راسخين, ما زلَّت أقدامهم, ولا ضلَّت أفهامهم, ولا التمسوا بُنَيّات الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت