فهرس الكتاب

الصفحة 8743 من 9994

فرجوع الناس إلى دين الله ملحوظ ولله الحمد سواء بين أوساط الرجال أو أوساط النساء وبدأت الغيرة تدب من جديد لدى الجيل المسلم الصاعد المتمسك بدينه المطبق لتعاليمه ليس له هم سوى إرضاء الله لو سخط عليه من سخط ولو غضب عليه من غضب.

وبدأت طلائع هذا الجيل تطوع القيم الإنسانية والأخلاق الإسلامية كما هي في ميزان الله وحين يسود المجتمع المسلم هذه الخلق النبيل فإن هذا المجتمع يكون متحضرا متقدما بالمعنى الصحيح لا بالمعنى المنكوس الذي يفهمه أتباع الغرب أو بالمعنى الاصطلاحي يكون مجتمعا ربانيا مسلما.

وأخيرا يا أخي المسلم: فإن معايير الأخلاق قد اهتزت في عصرنا الحاضر ولابد أن نوليها الاهتمام الكافي الذي يوجبه علينا ديننا.

والأمل كبير في الأجيال المؤمنة ليتقوّم الانحراف وتزرع الفضيلة وتكون قدوة حسنة وواقعا حيا لما كان عليه سلف هذه الأمة.

وفي الختام أنبه من كان فيه تهاونا من ناحية إخراجه أهله متبرجات وسافرات أن يتقي الله عز وجل وأن يعلم أنه قد ورد وعيد شديد فيمن لا يغار على أهله فقد روى النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والمرأة المترجلة، والديوث ) )وهو حديث صحيح.

والديوث: هو الذي لا يغار على أهله.

فضعف الغيرة من خوارم المروءة لظهور قلة اكتراث المتلبس بها بمروءته لأن حفظ الأنساب مطلوب شرعا وقطع أسباب الفتنة واجب شرعا أيضا ففاقد الغيرة مخالف للشرع والطبع وفي فعله هذا إعانة على الحرام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم .

هاشم محمد علي المشهداني

الدوحة

الريان الكبير

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-معنى الغيرة. 2- الغيرة نعمة من نعم الله. 3- أنواع الغيرة. 4- موقف المسلم من الغيرة.

الخطبة الأولى

قال تعالى: قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف:33] . استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على أنها أصل في إثبات الغيرة لله تعالى، ومن غيرته جل وعلا أن حرّم الفواحش (أي المعاصي) وهي ما يجب فيها الحد، والإثم اسم لما لا يجب فيه الحد، والبغي: هو الظلم التجاوز للحد وأن يجعل لله ندا وهو خالقه.

فما الغيرة؟ وما أنواعها؟ وما موقف المسلم منها؟

الغيرة: هي الحمية والأنفة، والغيرة لا تكون إلا إذا كانت المحبة فكلما قويت محبتك لشيء قويت غيرتك عليه.

والغيرة من صفات الله سبحانه للحديث: (( ليس شيء أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ) (1) [1] ).

والغيرة من سمات المؤمنين للحديث: (( المؤمن يغار والله أشد غيرة ) ) (2) [2] ).

وذهاب الغيرة ذهاب بالإيمان كله يقول ابن القيم رحمه الله: (إذا ترحلت الغيرة من القلب، ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين، والغيرة أصل الجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف) (3) [3] ).

وذهاب الغيرة علامة من علامات الساعة للأثر: (إذا كان آخر الزمان رفع الله أربعة أشياء من الأرض: رفع البركة من الأرض، والعدل من الحكام والحياء من النساء، والغيرة من رؤوس الرجال) .

وأما لماذا الغيرة؟

لأن العبد إذا رزق الغيرة كان حريصا أن يكون عزيزا معتزا بدينه وألا يكون أعداء الله خيرا منه قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة:165] . وقع عبد الله بن حذافة السهمي مع مجموعة من الجند أسيرا لدى ملك الروم، فدعاه إلى النصرانية فأبى، فشده إلى شجرة ورمي بالسهم ما بين يده ورجليه فلم يرتهب، ثم حبسه أياما حتى بلغ به الجوع مبلغه فعرض عليه الخمر ولحم الخنزير، فقال: إن ديني ليبيح لي أكلها به للضرورة ولكني لن أشمت في كافرا. ثم جاء بقدر عظيم ووضع فيه زيتا وأشعل تحته النار حتى غلا، ثم رمى أحد المسلمين فذاب فيه، ثم حمل عبد الله بحبل ونكس في القدر فلما كاد أن يصل بكى عبد الله، فاستبشر ملك الروم وقال: أخرجوه ثم عرض عليه النصرانية فأبى فسأله: علام البكاء؟ قال: لأن لي روحا واحدة، وإني لأتمنى أن يكون لي مائة روح تخرج الوحدة تلو الأخرى لله عز وجل، فطلب ملك الروم منه أن يقبّل رأسه ويطلق سراحه، قال عبد الله: لا حتى تطلق سراح من معي، قال:أفعل فقبل رأسه وأطلق سراحه وسراح من معه، يعود عبد الله إلى عمر وهو حزين، فسأله عمر عن سبب حزنه؟ قال: قبلت رأس كافر! فقام عمر وقال: حق على كل مسلم يراك أن يقبل رأسك وأنا أبدؤهم (4) [4] ).

وإذا رزق العبد الغيرة كان الشيطان بعيدا عن أن يجره إلى المعصية، فالغيرة خير عاصم قال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم [الأعراف:200] . والنزغ: اسم للحركة التي يحدثها راكب الدابة إذا أراد تحريكها، فكأن الشيطان قد جعل من العاصي دابة وامتطاه لتنفيذ ما يريد. رحم الله عمر بن الخطاب حيث يصفه المصطفى: (( لو سلك ابن الخطاب فجا(أي طريقا) لسلك الشيطان فجا غيره )) (5) [5] ).

وأما أنواعها:

فأعظمها غيرة الله عز وجل ومن غيرته تعالى:

أ- غيرته على كتابه الذي أنزله ليكون المنهج الذي يحكم خلقه، فمنهج الله مبرأ عن الجهل والظلم والمحاباة، وهي سمات بارزة في مناهج البشر فإذا أعرض العبيد عن منهجه غار الله تعالى لكتابه فكتب الشقاء والاضطراب لكل مخالف له: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا [طه:124] ، بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مضطرب ومن غيرته أن يرفع كتابه من الأرض وهي أعظم علامة من علامات الساعة كما نص العلماء للحديث: (( يدرس الإسلام حتى لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا تبقى في الأرض منه آية ) ) (6) [6] ).

ب- غيرته على محارمه وكل ما حرمه الله وقع في حماه فلا يجوز لأحد أن يقع فيه للحديث: (( ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ) ) (7) [7] ). لذا كانت البلايا والمصائب تبعا لكل انحراف للحديث: (( يا معشر الأنصار خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر في السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ) ) (8) [8] ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت