فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 9994

أضواء البيان - (ج 3 / ص 114)

ومن هدي القرآن للتي هي اقوم - إباحته تعدد الزوجات إلى أربع ، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن ، لزمه الاقتصار على واحدة ، أو ملك يمنه ، كما قال تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء: 3 ] ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها ، هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كلُّ العُقَلاء .

منها - أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض ، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية ، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأُمة ، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلًا في غير ذنب .

ومنها - أن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًامن النساء في أقطار الدنيا ، واكثر تعرضًا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة . فلو قصر الرجل على واحدة ، لبقي عدد ضخم من النساء محرومًا من الزواج ، فيضطرون إلى ركوب الفاحشة فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق ، والانحطاط إلى درجة البهائهم في عدم الصيانة ، والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق! فسبحان الحكيم الخبير! كتاب حكمت آياته ، ثم فصلت من لدن حكين خبير .

ومنها - أن الإناث كلهن مستعدات للزواج ، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزاوج لفقرهم . فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء . لأن المرأة لا عائق لها ، والرجل يعوقه الفق وعدم القدرة على لوازم النكاح . فلو قصر الواحد على الواحدة ، لضاع كثير من المستعدات للزواج ايضًا بعدم وجود أزواج . فيكون ذلك سببًا لضياع الفضيلة وتفشي الرزيلة ، والانحطاط الخلقي ، وضياع القيم الإنسانية ، كما هو واضح . فإن خاف الرجل إلا يعدل بينهن ، وجب عليه الاقتصار على واحدة ، أو ملك يمينه . لأن الله يقول: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } [ النحل: 90 ] الآية . والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز ، لقوله تعالى: { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } [ النساء: 129 ] . أما الميل الطبيعي بمحبة بعضعن أكثر من بعض ، فهو غير مستطاع دفعه للبشر ، لأنه انفعال وتأثر نفساني لا فعل ، وهو المراد بقوله: { وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء } [ النساء: 129 ] الآية ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع . ومت يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام ، من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة ، لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سَخطت الأخرى . فهو بين سخطتين دائمًا - وأن هذا ليس من الحكمة . فهو كلام ساقط ، يظهر سقوطه لكل عاقل . لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه ألبتة ، فيقع بين الرجل وأمه ، وبينه وبين أبيه ، وبينه وبين أولاده ، وبينه وبين زوجته الواحدة . فهو أمر عادي ليس له كبير شأن ، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن ، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه الإسلام - كلا شيء ، لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة الصغرى .

فلو فرضنا أن المشاغَبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة ، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة ، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا ، كما هو معروف في الأصول . قال في مراقي السعود عاطفًا على ما تلغى فيه المفسدة المرجوحة في جنب المصلحة الراجحة:

أو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى

وانظر تدلي دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب

ففداء الأسارى مصلحة راجحة ، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة ، فتقدم عليها المصلحة الراجحة . أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة ، أو كانت المفسدة أرجح كفداء الأسارى بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قد الأسارى أو أكثر من المسلمين ، فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة ، كما قال في المراقي:

اخرم مناسبًا بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم

وكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث ، إلا أن مصلحة وجود العنب والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة على مفسدة عصر لخمر منها ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة . واجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون سببًا لحصول الزنى إلا أن التعاون بين المجتمع من ذكور وإناث مصلحة أرجح من تلك المفسدة ، ولذا لم يقل أحد من العلماء إنه يجب عزل النساء في محلًّ مستقل عن الرجال ، وأن يجعل عليهن حصن قوي لا يمكن الوصول إليهن معه ، وتجعل المفاتيح بيد أمين معروف بالتقى والديانة كما هو مقرر في الأصور .

فالقرآن أباح تعدّد الزواجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج ، ولمصلحة الرجل بعدم تعطّل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة ، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو تشريع حكيم خبير ، وهو أمر وسط بين القلة الفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل ، وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية . والعلم عند اله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت