أيها المسلمون، إننّا قد نفهم ما يحدث في بلاد الغرب، أو الشرق الكافرين ، من انقطاع وشائج الرحمة ، وانهيار جسور المحبة والوئام ، وما أدى إليه ذلك الانقطاع والانهيار ، من جفاف في المعاملة ، وغياب للإحسان، لكننّا عاجزون عن فهم ما يحصل في بعض مجتمعات المسلمين ، من تصرفات مماثلة، اللهم إلا إذا كان بريق الإيمان ، قد خبت لمعانه في القلوب ، وتكدر صفاؤه في النفوس ، فأضحى الكثيرون أنانّي الطباع ، ميتي الإحساس ، لا همَّ لهم إلا أنفسهم وذراريهم ومصالحهم، قد تبلدت مشاعرهم، وتجمدت عواطفهم. فعز الإحسان في حياتهم، وندر المعروف أن تبذله أيديهم، إننّا معاشر المسلمين، مدعون إلى تلمس احتياجات الآخرين، وإسداء المعروف للمحتاجين، دون منٍ أو أذى ودون انتظار لشكر أو ثناء أو دعاء، فقد كانت عائشة رضي الله عنها، إذا أرسلت إلى قوم بصدقةٍ تقول لمن أرسلته بها، اسمع ما يدعون به لنا، حتى ندعو لهم بمثله، ويبقى أجرنا على الله .
قال شيخ الإسلام في فتاويه: ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، فالعجل العجل يرحمك الله إلى البر والإحسان، وصلة الآخرين بجاه أو مال، فما يدريك؟ رب حاجة تقوم بها لأرملة، أو رب مسحة على رأس يتيم، أو كفكفةٍ لدمعة محروم ، تكون هي سبب دخولك الجنة، فإنّ للجنة أبواباً، ولدخولها أسباباً، فاحرص على ما ينفعك ولا تعجز .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ، والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين،لا ضاليَن ولا مُضلين، بالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين، ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي .
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ، يا عزيزُ يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون .
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ))النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيها المسلمون: فإنَّ الدارسينَ للحُقبةِ المكيةِ من حياةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الدعوية، يلحظون بكلِّ وضوحٍ ذلك الجُهدَ المتواصلِ، وتلكَ المحاولاتِ الجادةِ التي بذلها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أجلِ بناءِ العقيدةِ في النفوسِ، وغرسِها في القلوبِ, باعتبارِها الأساسُ الأول الذي يقومُ عليه بناءُ الإسلامِ كلهِ, ولسائلٍ أنْ يسألَ ما سِرُّ ذلك الاهتمامِ المكثفِ، وتلك العنايةِ الفائقةِ بقضيةِ العقيدةِ من بين سائرِ القضايا؟ ولماذا يمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَ عشرةَ سنةً من أجلها؟ والجواب ، يعرفُه الذين يُدركون بأنَّه لا قيمةَ للإنسانِ في دنياهُ وأخرتهُ، ولاعبرةَ بقولهِ وفعلهِ حين تهتزُ العقيدةَ, أو يختلُ نظامُ التوحيدِ, فلا الصلاةُ ولا الصيام، ولا الحجُ ولا الجهادُ, ولا البرُ ولا الإحسانُ، ولا الصلةُ ولا العفةُ, لا شيءٌ من ذلك ينفعُ الإنسانُ يومَ القيامةِ حين ينتقضُ إيمانُهُ أن ينهارَ توحيدهُ, لذا ظلَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُجاهدُ ويُجاهد ويصلُ الليلَ بالنهار, من أجلِ تحقيقِ تلك الغاية . وبلوغِ ذلك الهدفِ بإصرارٍ عجيب، واهتمامٍ غير عادي, حتى تحقَقَ له ما أراد فضلاً من الله ونعمة, فقامتْ دولةُ التوحيدِ في المدينةِ، قامتْ كشجرةٍ طيبةً أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ، تؤتي أُكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربها. حتى إذا ما انتقلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى الرفيقِ الأعلى، إذا بأصحابه الذين ربَّاهم على عينهِ، ونَشَّأهم على هديهِ, إذا بهم يحملون الرايةَ من بعده, وينطلقونَ بالتوحيدِ إلى أصقاعِ الدنيا، يملئونَها نوراً وعدلاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً, وإذا برقعةِ التوحيدِ تنمو في مكانٍ، وإذا بدولةِ الإسلام تمتدُ في كلِّ اتجاهٍ تزلزلُ الأرضَ من تحتِ كلِّ الذين يُعبِّدون الناس لغيرِ الله، أو يستدرجونَهم إلى مز القَ خطرةً ودروبٍ وعرةً، تُعرِّضُ توحيدَهم إلى الانهيارِ, وعقيدتَهم إلى الفسادِ والدمارِ, فشنَّ الإسلامُ حربَه الشاملةَ ضدِّ أولئك الطواغيتُ الراغبينَ في طمسِ معالمِ العقيدةِ, وخلخلةِ نظامِ التوحيدِ, وتدنيسِ الفطرة التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها
وقد نالَ السحرةُ المشعوذون, نالوا نصيبَهم كاملاً غيرَ منقوص من حربِ الإبادةِ تلك, فقد استأصلتْ سيوفُ الإسلامِ الحادة شأفتهم أولئكَ المجرمين, ودمرتْ عروشَهم, وكشفَت عوارَهم وزَيفهم, وبددتْ أحلامَهم وأطماعَهم ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وردَ في الأثرِ مرفوعاً وموقوفاً (( حدُّ الساحرِ ضربُه بالسيف ) ) [1] .
ناهيك عمَّا كتبهُ الخليفةُ المسددُ عمر إلى عمالهِ في الأمصار, (( أنْ اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرة ) ) [2] .
إذ لا مكانَ لتلكَ الخفافيش في دولةِ عُمر وما أدراك ما عمر .
أيها المسلمون: وحتى تبقى الأمةُ في حذرٍ من كيدِ أولئكَ الشياطينِ, محاربةً لهم مطاردةً إياهم, عدَّ النبيُ صلى الله عليه وسلم السِّحرَ أحدَ الموبقاتِ السبعِ الكبرى, والجرائمِ المهلكاتِ العظمى, كما في حديثِ أبي هريرةَ المتفق عليه) [3] كما حرَّم عليه الصلاة والسلام الكهانةَ والشعوذةَ, ووصمَ بالكفرِ من أتى عرافاً فصدَّقهُ بما يقول, ولنا أن نتسألَ ما سرُّ هذا الاهتمامِ بقضيةِ السحرةِ والمشعوذين, ما سرُّ هذا الاهتمام بهؤلاءِ المرتزقةِ الدجاجلةٍ, ما سرُّ هذا الحزم؟ وما سرُّ هذا العزمِ؟ ما سرُّ مواجهتهم ومحاربتهم, إنَّه الحفاظُ على جنابِ التوحيدِ وسلامةُ المعتقدِ, وقطعُ دابرِ الشرِّ والفتنةِ, واستئصالُ شأفةِ الإجرامِ من خلالِ القضاءِ على رموزهُ