ويا لعظمةِ الإسلامِ وروعتهِ! فقد أفلحتْ تلكَ التدابيرُ الشرعيةُ الحازمةُ في وضعِ حدٍٍّ لأولئكَ المستهترين, حيث غابتْ شمسُ السحرةِ والمشعوذين, غابتْ شمسُهم وأفلَ نجمُهم, وامتلأت قلوبُهم هلعاً ورعباً, وارتعدت فرائصُهم جزعاً وقلقاً, وانزووا في جحورِهم كالفئران, تدورُ أعينُهم كالذي يُغشى عليه من الموت, ولكنْ يا لفرحةٍ لم تتم ! ويا لبهجةٍ لم تكتمل! فإنَّه مع تقادمِ الزمان، وإقصاءِ الشريعة عن الحكمِ في كثيرٍ من بلادِ المسلمين، حيث غابتْ أحكامُها الصارمةِ، وحدُودُها الرادعةِ, عادَ السحرةُ والدجاجلةُ من جديدٍ, عادوا بوجوههِم القبيحةِ، وهيئاتِهم البغيضةِ, يمارسونَ دورَهم القذر في تدنيسِ العقائدِ, وتدميرِ الأخلاقِ وابتزازِ الضعفاءِ والجهلةِ في أموالِهم وأعراضِهم وعقائِدهم, فلا إلهَ إلا الله كمْ من الأموالِ اختلسوها؟ وكمْ من الأعراضِ هتكوها؟ وكمْ من العقائدِ دنَّسوها؟
أيها الأحبةُ في الله:
ولقدْ ازدهرَ سوقُ السحرةِ وراجت تجارتُهم بفضلِ انكبابِ الناسِ على أبوابِهم, وانطراحهِم بين أيديهم, ونزولِهم بحوائجهمِ بأولئك المجرمين من دونِ الله الذي يقول: (( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) ) (يونس: 106-107) .
إنَّهم يكفرونَ بهذه النصوصِ الواضحاتِ ويلقونَ بها وراءَ ظُهورهم, ويضربونَ بها عرض الحائطِ بائعينَ لدينِهم بأبخسِ الأثمانِ, جرياً وراء الشفاء المزعوم, والعلاجِ المفتري لقد ازدهرَ سوقُ السحرةِ وراجتْ بضاعتُهم لغيابِ التربيةِ, وانحسارِ الوعيِ لدى الكثيرين, بحيثُ يتنازلونَ عن أهمِّ ما يملكون من عقيدةٍ وإيمانٍ, وخلق مقابلَ عقاقيرَ وأدويةٍ مسمومةٍ, تزيدُ البلاءَ بلاءً, والشقاءَ شقاءً, ولو فتشتْ أخي المسلمُ عن الأسبابِ والدوافع التي تدفعُ السذَّج والبسطاءِ، إلى الازدحامِ على عتباتِ أولئكَ الطواغيتِ خلافاً لما سبقَ ذكرُه, من طلبِ العلاجِ والدواءِ لوجدت أسباباً أكثرَ سخفاً, وأشدَّ قبحاً, فما رأيُك بمن يلجأُ إلى الساحرِ، بقصدِ الانتقامِ من أحدِ خصومهِ, لنزاعٍ حصلَ بينهما فيدفع له الأموالَ الطائلةِ, وقبلَ ذلك يدفعُ إيمانَهُ وتوحيدَهُ, كي يَضع سِحراً يُكيدُ به لخصمهِ، وينغصُ عليه حياتَهُ ويشغلهُ بنفسهِ, وأسخفُ منه أن يلجأَ البعضُ إلى الساحرِ بدافعِ الحسدِ والغيرةِ, سيما في صفوفِ النساءِ الجاهلاتِ حيث تطلبُ إحداهنَّ من ذلكَ الفاجرِ أن يصنعَ سحراً يمنعُ فلاناً من الناسِ عن زوجتهِ ويربطهُ عنها, ويا لقبحِ الإنسانِ حين يخلو قلبُه من الإيمان, ويمتلكهُ الهوى والشيطانِ, وأسخفُ منها أن تلجأ بعضُ النساءِ إلى الساحرِ ليصنعَ سِحراً لزوجِها، أي واللهِ لزوجها يمنعهُ من الزواجِ عليها, ويعطفُ قلبهُ إليها, ولا تعجبْ فقد أفلحتِ المسلسلاتُ والأفلام، في تضخيمِ قضيةِ التعدُدِ, وجعلَ الزواجِ من الثانيةِ هاجساً مُخيفاً في أذهانِ النساءِ, وكابوساً مرعباً يَحْسِبْنَ له ألفَ حساب .
وأما الطامةُ الكُبرى فهي حين يلجأُ إلى الساحرِ بعضُ الرياضيينَ ولاعبي الكرةِ, بحثاً عن الانتصاراتِ الزائفةِ, والبطولاتِ الفارغةِ, فقدْ أُشربتْ قُلوبُهم حبَّها فعموا وصمُّوا , ثم عموا وصموا فهم في غيهمِ يترددون.
وأخيراً فقدْ يذهبُ البعضُ إلى الساحرِ من غيرِ قصدٍ, فيظنهُ قارئاً تقياً, أو طبيباً شعبياً, جهلاً منه وغفلة لكنْ أبى اللهُ إلا أن يفضحَ أولئك الدجاجلة لِيَهلِكَ من هَلكَ عن بينةٍ ويَحيى من حيَّ عن بينةٍ, إذ جعل للساحرِ علاماتٍ يُعرفُ بها زيفُهُ, وخزعبلاتٍ يَنفضحُ بها كيدُه, لقد فضحهم الله لقد فضحهم بظلمةِ وجوهَهم , وقبحِ هيئاتِهم, ونتنِ روائحهم , ناهيك عما اعتاد ه أُولئكَ المجرمون في مسرحياتهمُ السَمِجَةُ, وحيثُ يبدأُ الواحدُ منهم في سردِ معلوماتٍ للمريضِ تلقَّاها عن أسيادِه الجنْ, فيُخبرُو المريضَ باسمِ أمِّه وأبيهِ وأختهِ وأخيه,ِ وصاحبتهِ وبنيهِ, وفصيلتهِ التي تؤويه, كما يخبرهُ بتاريخهِ مع المرضِ ورحلاتهِ فيه, لقد ذهبتْ إلى المستشفى الفلاني, وعالجكَ الطبيبُ الفلاني وسافرتَ إلى بلادِ كذا, وراجعتَ عيادةَ كذا في يوم كذا يخبرُه بكلِّ ذلك, وَسْطَ ذُهولِ المريضِ ودهشتهِ الذي فغرَفاهَ, وحملقتْ عيناهُ , وظنَّ أنه أمامَ معجزةٍ من السماءِ, أو وليٍ من أولياء اللهِ , وما درى المسكينُ أنَّه أمامَ زنديقٍ فاجرٍ, وطاغوتٍ كافر, مُشاقٍ للهِ ورسولهِ .
ومن ثمَّ يُسلمُ المسكينُ نفسَه بكلِّ طواعيةٍ وخضوعٍ, يُسلمُ نفسَه لذلك الدجال الذي قدْ يستدعي في الحال مارداً خبيثاً من الجن ليصرعَ المريضَ بضعَ دقائقَ ثم يأمرُهُ بالخروجِ وَسْطَ مسرحيةٍ مستهجنةٍْ, وتمثيليةٍ ماكرةٍ ظهرَ الساحرُ من خلالِها, بمظهرِ المنقذِ البطلِ, ونالَ إعجابَ بقيةِ الحاضرينَ من المرضى المساكين, ودعواتٍ صادقةٍ بمزيدٍ من النجاحِ والتوفيق.
لقد وجدَ أولئكَ السحرةُ, وجدوا أمامَهم سُذَّجاً من الناسِ فقدوا التربيةَ الجادةِ, والثقافةَ الإسلاميةِ الصحيحةِ, وتربَّو على الأغنيةِ والمجلةِ، والأفلامِ والكرة, فكيفَ لا تنطلي عليهم ألاعيبُ السحرةِ وحيلُهم, أجيبوا بربكم أجيبوا. أيها الأخوةُ الأجلاءَ: وممَّا يخدعُ به الساحرُ زبائنَه لينالَ ثقتَهم به واطمئنانَهم إليه, تظاهرُهُ بالصلاحِ والتقوى, وتردَدَهُ على المساجدِ بين الفَينةِ والأُخرى, نشرتْ صحيفةُ السياسةِ الكويتيةِ مقابلةً مع أحدِ السحرةِ التائبين اعترفَ من خلالِها بأنَّ الجنَّ كانوا يأمرونهم, ويرشدونهم إلى التظاهرِ بالتقوى أمامَ الناسِ كما يأمرونهم بالصلاةِ في المساجد دونَ نطقٍ بالآيات وإنَّما حركاتٍ فقط, وقد يظهرُونها أحياناً إن لزمَ الأمرُ, كما ذُكرْ بأن الشياطينَ تمنعُهم من ارتكابِ الفواحشِ أمامَ الناسِ ليُقالَ عنه تقيٌ وورع, انتهى كلامه هذه اعترافاتُهم، تتبينُ منها أخي الحبيب وقاكَ اللهُ شرَّهم، مدى العلاقةِ الوثيقةِ بين الساحرِ والجنِ فإنَّ الساحرَ، لا يتوصلُ إلى كثيرٍ من أهدافهِ الخبيثة ومقاصدهِ اللئيمةَ, إلا بمساعدةِ الجنِّ له, وتفاعلهم في خدمتهِ, بيدَ أنَّ مساعدتَهم إياه وتنفيذَهم ألاعيبه, ليسَ لسوادٍ في عينيه, ولا لحمرةٍ في وجنتيه, ولكنَّ ذلك لا يكونُ إلا بعدَ أن يحققَ الساحرُ مطالبَ الجنِّ الخُبثاء, كأنْ يكتبَ المصاحفَ بالدمِ أو النجاسةِ, أو يسبَّ الله ورسولَه، أو غيرَ ذلك مما تُدمى له القلوبُ, وتتفطرُ له الأكبادُ, قاله بنحوهِ شيخُ الإسلامِ ، ابنُ تيميةَ أجزلَ اللهُ مثوبتَهُ, وأحسنَ عاقبتهُ .
أيها المسلمون: إنَّ الذهابَ إلى الساحرِ حرامٌ, وطلبَ العلاجِ منه حرامٌ واعتقادَ أنَّه ينفعُ أو يضرُ حرام, فالساحرُ أحقرُ, وأضعفُ, وأعجزُ من أنْ يجلبَ نفعاً أو يدفع ضراً مرَّ .