فهرس الكتاب

الصفحة 4563 من 9994

#حقيقة الإنتصار

فضيلة الشيخ د. ناصر ابن سليمان العُمر

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً كثيرا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) .

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نحمد الله جل وعلا ونثني عليه الخير كله أن وفقنا لهذا اللقاء الذي أسأل الله جل وعلا أن يجعله لقاء طيبا مباركا.

موضوعنا لهذا اليوم عن حقيقة الانتصار.

وأحب أن أبين في البداية شرحا موجزا للعنوان، فقد يتبادر إلى أذهان البعض أنني سأتحدث عن لانتصار بمعناه الشامل، الذي هو انتصار وظهور الدين.

وليس هذا هو موضوع حديثي مع أهمية هذا الموضوع، وقد تحدث فيه كثير من العلماء وطلاب العلم، وكتب فيه بعض الكتاب من الإسلاميين.

ولهذا فإن الموضوع الذي عنيته هو حقيقة انتصار الداعية، وهناك فرق بين مفهوم انتصار الدين وظهوره وبين ومفهوم انتصار الداعية، مع أن بينهما عموم وخصوص كما سيتضح بأذن الله من خلال هذا الدرس.

لهذا آمل أن ينتبه الأخوة الكرام إلى هذه القضية وأن الحديث سيدور حول موضع واحد وهو حقيقة انتصار الداعية، أما ما يتعلق بانتصار الدين وظهوره فلن أتعرض له إلا بمقدار صلته بالموضوع الأساسي.

أما سبب الحديث عن الموضوع، فهناك سبب جوهري نشأت عنه آثار أخرى:

وهو أنني رأيت خلطا بين مفهوم انتصار الداعية وبين مفهوم انتصار الدين وظهوره، بل إن كثير من الدعاة ومن طلاب العلم، وكثير من الناس جعلوا هناك تلازما بينا وظاهرا بين ظهور الدين وتمامه وبين انتصار الداعية، فإذا لم تتحقق الأهداف التي جاء الداعية من أجلها حكموا على الداعية بالفشل، إن تحققت هذه الأهداف أو تحقق بعضها اعتبروا هذا هو المقياس الحقيقي لانتصار الداعية.

ونتيجة الخلط في هذا المفهوم نشأت عنه أمور عدة أذكر أبرزها:

الأمر الأول:

وهو ما أشرت إليه قبل قليل أن كثير من الناس يتصور أن هذا الداعية لم ينجح في دعوته لأن الأهداف التي جاء من أجلها وأعلنها لم تتحقق في صعيد الواقع، فيحكمون على الداعية بالفشل، لماذا ؟

لأنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه أو بعضها وهي المتعلقة بظهور الدين وتمامه.

ولذلك رأينا من يقول لبعض الدعاة:

ماذا استفدت من دعوتك؟ هل اهتدى الناس ؟ هل تغيرت المنكرات التي جئت لإزالتها ؟

وهم ينطلقون من هذا المفهوم أن هذا الداعية قد فشل،فلماذا يستمر في دعوته ؟

وهذا ناشئ من الوهم ومن الخلط بين حقيقة انتصار الداعية وبين ظهور الدين وتحقق الأهداف التي يدعو إليها الداعية.

الأمر الثاني:

الذي نشئ من هذا الخلط ومن الجهل في هذا المفهوم هو الاستعجال، وقد رأينا بعض الدعاة يستعجلون النتائج لأنهم وضعوا تلازما بين حقيقة ما أمروا به وبين الأهداف التي جاءوا من أجلها.

فإذا عمل أحدهم بضع سنوات وأحيانا بضعة أشهر ولم يرى أن النتائج قد تحققت تعجل، وقد يتصرف بعض التصرفات التي لا ترضي الله جل وعلا.

ولذا رأينا كثيرا من الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي كانت تسير بخطى وئيدة ولكن سرعان ما رأينا هناك تعجلا من بعض الدعاة أو من بعض الأفراد مما جر على الأمة الكوارث والمصائب بسبب تعجل المتعجلين.

حينما دعا موسى عليه السلام على فرعون وأمن هارون:

(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) .

قال الله تعالى بعد هذا الآية مباشرة:

(قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) .

قال الإمام الطبري، وابن كثير قال ابن جريج أجيبت الدعوة بعد أربعين سنة، وقيل غير ذلك..

أربعين سنة مع أن الله قال (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) .

إن التعجل أيها الأحبة في هذه القضية جر على الأمة مصائب وويلات، وإن منشئ هذا التعجل أسباب كثيرة من أهمها أن الداعية يتصور أن انتصاره الحقيقي هو تحقق النتائج التي جاء من أجلها.

قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل

اصبر قليلا وكن بالله معتصما لا تعجلن فإن العجز بالعجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت