الصبر مثل اسمه في كل نائبة لكن عواقبه أحلى من العسل
اصبر قليا فبعد العسر تيسير وكل وقت له أمر وتدبير
وللمهيمن في حالاتنا قدر وفوق تدبيرنا لله تدبير
إن التعجل مظهر أو ملحظ نلحظه عند بعض الدعاة وله آثاره السلبية كما بينت.
الأمر الثالث:
هو أنه قد يحدث بسبب الخلط في مفهوم حقيقة الانتصار انحراف عن المنهج، فقد يسير بعض الدعاة على منهج سليم، ولكن عندما تتأخر النتائج وعندما يرون أنهم لم يتمكنوا من تحقيق بعض ما جاءوا به من الحق يبدأ الانحراف.
ومن مظاهر الانحراف التنازل وتقديم التنازلات تلو التنازلات وعندما تأتي لهؤلاء يقولون نحن نريد أن تتحقق بعض النتائج لمصلحة الأمة أو لمصلحة الدعوة وهم يرتكبون خللا في هذا الأمر.
نحن نتمنى أن يتحقق أي أمر من أمور الدعوة، بل إن تأخير الفساد بحد ذاته مطلب من المطالب، ولكن إذا كان لا يمكن أن يتم تأخير الفساد أو تحقيق بعض الأهداف إلا بالتنازل الذي هو انحراف عن المنهج فهذا لا يجوز.
ولذلك رأينا مثلا في بعض الدول الإسلامية أن بعض اللذين يدخلون البرلمانات أو لمجلس النواب أو لمجلس الأمة سموه ما سموه أنهم يقدمون تنازلات، أي يعترفوا للباطل بباطله.
فهم يؤدون اليمين والقسم والعهد ولاعتراف بهذا النظام الذي يحكم هذا البلد وتجد نظاما كافرا، فكيف يجوز للمؤمن أن يعترف ويقر مثل هذا النظام.
وتجد المداهنة وتجد أنهم يقبلون أيضا بمبدأ خطير وهو أنهم يوافقون على عرض شريعة الله ودين الله لتصويت البشر.
فيعرض في هذا البرلمان مثلا قضية تطبيق الشريعة، إن مجرد القبول بهذا المبدأ خلل خطير في المنهج، أننتظر من الناس أن يصوتوا هل تطبق شريعة الله أو لا تطبق، مجرد القبول بمبدأ تصويت البشر هل يمنع الخمر أم لا يمنع قضية خطيرة.
أقول لو استطعنا أن نمنع أي منكر من المنكرات في بلد من البلدان فهذا مطلوب، ولكن بدون تنازل.
لو استطعنا أن نمنع الدخان مثلا هذا مكسب كبير، ولكن بدون تنازل.
أما أن نأتي لنطرح هذه القضية لتصويت البشر ليقرروا هل تطبق شريعة الله أو لا تطبق فهذا خلل.
وإن من أسباب القبول بهذا المبدأ هو الربط بين انتصار الداعية وبين تحقق الدين وظهوره.
الأمر الرابع:
الذي ينشئ من الخلط في هذا المفهوم هو اليأس والقنوط ثم الاعتزال.
بعض الدعاة يسيرون زمنا في دعوتهم، ثم تفاجأ أن هؤلاء قد اعتزلوا الساحة، وتسأل ما هو السر في ذلك ؟ فتجد أن الإجابة القولية أو الفعلية أنهم يأسوا، فيقولون حاولنا وفعلنا ولكن لم نرى تأثرا، لم نرى تقدما، لم نرى استجابة، فيأسوا ثم اعتزلوا.
وهذا أيضا خلل نشئ من أمور من أبرزها الربط بين انتصار الداعية وبين انتصار الدين وظهوره.
أذكر أن أحد الزملاء بعد تخرجه من الجامعة زار أستاذا له كان قد درسه في المرحلة الثانوية.
وكان هذا الأستاذ حريصا في ما مضى على الدعوة، وممن له تأثير على هذا الزميل في تربيته وتوجيهه إلى الدعوة، وقد ترك هذا الأستاذ التدريس والدعوة وانخرط في وظيفة وانشغل بالدنيا، فذهب هذا الطالب لزيارته وبعد الحديث سأله قائلا:
يا أستاذي لقد كان لك الفضل بعد الله جل وعلا في توجيهنا إلى الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقال الأستاذ يا أخي لو رأيت سيلا قادما وأنت في واد من الأودية فهل تقف أمامه أم تهرب منه؟
فقال له هذا الأخ يا أستاذي أنا أسألك سؤلا:
لو رأيت سيلا قادما ووجدت أناسا يسكنون الوادي وتستطيع أن تنقذ هؤلاء أتهرب وتتركهم أو تحاول أن تنقذهم قبل أن يغرقوا، فأصبح التلميذ أستاذا.
هذه القضايا الأربع:
أن الناس يحكمون على الداعية من خلال تحقق النتائج.
والاستعجال من بعض الدعاة والجماعات.
والانحراف في المنهج.
واليأس والقنوط ثم الاعتزال.
إن من العوامل المؤثرة في نشأتها هو الخلط بين هذين المفهومين مفهوم انتصار الداعية ومفهوم تحقق وظهور الدين.
لهذا سنقف هذه الليلة مع مفهوم حقيقة انتصار الداعية حتى نكون على بينة من أمرنا، وحتى لا نستعجل ولا ننحرف ولا نيأس، بل نمضي إلى الله بجد وعزيمة وصبر وثبات.
أيها الأحباب ما هو مفهوم النصر وحقيقته ؟
يقول سبحانه وتعالى:
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .
( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) .
هذه الآيات فيها نص على نصر الداعية، وهنا يأتي السؤال الذي أثاره الإمام الطبري، وأثاره عدد من العلماء من بعده، ويرد إلى أذهاننا نحن عندما نقرأ هذه الآيات ونتأمل في الواقع فنجد ما يلي:
وجدنا أن بعض الأنبياء قد قتله قومه كيحيا وزكريا عليهما السلام.
نجد أن بعض الأنبياء قد طرده قومه كإبراهيم عليه السلام عندما خرج من الشام، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) خرج من مكة.