ونجد من الأنبياء من لم يستجب له من قومه إلا قلة كنوح ولوط وشعيب وصالح وهود عليهم السلام.
ونجد من الأنبياء من حاول قومه قتله وإحراقه بل ألقوه في النار كإبراهيم عليه السلام.
ونجد أن عيسى عليه السلام قد أراد قومه قتله ثم صلبه فرفعه الله جل وعلا.
وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه، ألم يقل الله تعالى:
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) .
ألم يقل سبحانه:
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .
فأين النصر الذي وعد الله تعالى به في الحياة الدنيا؟
والجواب أيها الأحباب:
أن منشأ السؤال حدث لأننا نقصر النصر على نوع من أنواع النصر فقط، ففسرنا النصر بجزئية واحدة من جزئياته لا بالمعنى الكلي للانتصار.
لأننا تصورنا أن الانتصار هو ظهور الدين وتمامه وتحقق إيمان القوم لهذا النبي فقلنا أين الانتصار ؟
لكن الانتصار أيها الأحبة له صور عدة ولا يقتصر على صورة واحدة، سأذكر لكم في هذه العجالة أهم هذه الصور، حتى نعلم ونوقن إيمانا حقيقيا -ونحن كذلك إن شاء الله- أن وعد الله لا يتخلف أبدا، ونصر الله متحقق للأنبياء ولعباده المؤمنين الصادقين في الحياة الدنيا أيضا.
إذا ما هو النصر الحقيقي ؟
النصر الحقيقي لا نقصره على صورة واحدة، وإنما هو صور متعددة، فقد يتحقق النصر لهذا النبي بصورة، ولذلك النبي بصورة أخرى، وللنبي الأخر بصورة ثالثة وهكذا، وكذلك لعباد الله الصادقين من الدعاة.
الصورة الأولى من صور النصر:
أن النصر قد يكون بالغلبة المباشرة والقهر للأعداء على يد هؤلاء الأنبياء والرسل والدعاة، وهو ظهور الدين وتمام الدين وقيام دولة الإسلام، كما حدث مثلا لداود وسليمان عليهما السلام وآتاه الله الملك،، وكما حدث لموسى عليه السلام بعد إغراق فرعون وقومه، وكما حدث بصورة ظاهرة بينة متكاملة لنبينا (صلى الله عليه وسلم) وبخاصة بعد فتح مكة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) .
هذه الصورة التي تتبادر إلى أذهاننا ولكنها صورة واحدة من صور النصر، وليست هي على سبيل الحصر.
الصورة الثانية من صور النصر:
وهي التي وعد الله بها وتتحقق أن النصر قد يكون بإهلاك هؤلاء المكذبين، ونجاة الأنبياء والمرسلين ومن آمن معهم، كما حدث لنوح عليه السلام، ولموسى وقومه، وكما حدث لصالح وهود ولوط مع أقوامهم.
والدليل على أن هذا نوع من أنواع النصر أن نوح عندما يأس من قومه ماذا قال ؟ قال:
(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) ، ثم ماذا ؟
(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)
إذا فإهلاك الأمم المكذبة هو نوع من أنواع النصر، مع أن الله لم يذكر لنا، ولم نجد في القرآن ماذا حدث لأولئك الأنبياء عليهم السلام بعد ذلك.، إذا هذا نوع من أنواع الانتصار.
النوع الثالث من أنواع النصر:
أن النصر قد يكون بانتقام الله من أعدائهم ومكذبيهم بعد وفات هؤلاء الأنبياء والرسل، كما حدث مع من قتل يحيا عليه السلام، فقد انتصر الله له بعد حين بتسليط بختنصر على قومه فسامهم سوء العذاب، وهذا انتصار من الله جل وعلا ليحي عليه السلام في الحياة الدنيا.
وكما حدث للذين حاولوا قتل وصلب عيسى عليه السلام، فبعد أن رفعه الله انتقم من أعدائه بتسليط الروم عليهم فساموهم سوء العذاب. هذا نوع من أنواع النصر، ووعد الله لا يتخلف.
النوع الرابع من أنواع النصر:
وآمل أن تقفوا معي وقفة مهمة في هذا النوع لأننا بأمس الحاجة في هذا العصر إلى الفقه فيه، وإلى الوقوف عنده وهو أن ما قد يتصوره الناس هزيمة قد يكون هو النصر الحقيقي.
فكم من شهيد كانت الشهادة هي الانتصار له ولدعوته، ومثل ذلك الإيقاف والسجن والطرد والأذى، فقد يتصور الناس أن الداعية قد انتهى بقتله، أو انتهى بإيقافه أو انتهى بسجنه، أو انتهى بالنيل من عرضه، وتكون هذه هي نقطة الانطلاق والانتصار لهذا الداعية، وهذا أمر يدل عليه الكتاب والسنة والواقع المشاهد، ماذا قال الله عز وجل عن نبينا (صلى الله عليه وسلم) :
)إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)، متى ؟ في فتح مكة! في بدر! أبداً
( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ) ، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج من مكة يخرج منتصرا (صلى الله عليه وسلم) .
شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أوقف وسجن ومات في سجنه، هل نقول انه انتصر؟ نعم إنه انتصر كما سأقف مع السبب الذي بعده.
كذلك إيقاف كثير من الدعاة، وقد رأينا أنه قد زاد انتصارهم واستجاب الناس لهم بعد ما تم إيقافهم، وقد رأينا أن من الدعاة من أوذي في عرضه، وتصور كثير من الناس أن هذا الداعية قد انتهى وهو حقيقة قد انطلق بعد هذه الوقفة، وهنا تحقق انتصاره: