فهرس الكتاب

الصفحة 4566 من 9994

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .

هذه حقيقة نشاهدها ونراها، وهنا يأتي واجب الدعاة، وواجب طلاب العلم، وواجب الأتباع الذين يتبعون الحق أنه في مثل هذه المواقف فالنصر للداعية ولمنهجه.

هذه حقيقة يجب أن تكون بين أعيننا جلية واضحة.

وأذكر لكم هنا قصة وإن كانت لا ترتبط بموضوعنا ارتباطا مباشرا، ولكن لعله يتبين من خلاله أن تصور الناس أحيانا يكون في غير محله.

أثناء دويلات الطوائف قتل أحد الأمراء وهو عضد الدولة خصما له من الوزراء، ثم صلبه، وبعد أن قتله وصلبه ترسخ في أذهان الناس أن هذا المقتول قد انتهى وأن هذه هزيمة نكراء له.

جاء شاعر من الشعراء، كان يحب هذا المقتول، ويعرف عنه أنه كان كريما ومعطاء فماذا حدث ؟

قال قصيدة تمنى القاتل حين سمعها أنه المقتول وأن القصيدة قيلت فيه.

واستمعوا إلى بعض أبياتها وهي تصور هذا المقتول وهو مصلوبا والناس حوله يحيطون به، والنار توقد حوله في الليل، والحرس يحيط به خوفا من أن يأخذه أتباعه، فماذا قال الشاعر:

علو في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المعجزات

كأن الناس حولك حين قامواوفود نداك أيام الصلات

كأنك قائم فيهم خطيباوكلهمُ قيام للصلاة

مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهبات

ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الوفاة

أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات

لقدرك في النفوس تبيت تُرعى بحراس وحفاظ ثقاة

وتوقد حولك النيران ليلا كذلك كنت أيام الحياة

ولم أرى قبل جذعك قط جذعا تمكن من عناق المكرمات

عليك تحية الرحمان تترى برحمات غواد رائحات

طبعا نحن لا نوافق على كل ما ورد في هذه الأبيات، ولكن أريد أن أبين لكم أن التصور قد لا يكون في محله أحيانا، المهم أن الذي قتله قال، كنت أتمنى لو كنت المصلوب وأن هذه القصيدة قيلت في.

نعم هذا الأمر قد لا يرتبط مباشرة بشخص المقتول، ولكن عندما يسجن أو يوقف الداعية فهذا انتصار له وليس هزيمة.

ثقوا أن اللحظة التي يقتل أو يوقف أو يسجن أو يطرد فيها الداعية، لا يتم هذا الأمر إلا أن يكون عدوه قد ذاق المر من الغيظ والحنق والألم، وهذا هو أشد أنواع العذاب، يتقلب على جمر الغظى ألما حتى وصل إلى ما وصل إليه، ولذلك يقول الله جل وعلا:

(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .

(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) .

وهذا واقع محسوس ومشاهد، والحجاج عندما قتل سعيد أبن جبير رحمه الله، هل حصلت السعادة للحجاج؟

أبدا، كان يقول: مالي ولسعيد، وكان يقوم من الليل فزعا حتى مات.

إذا من هو المعذب ؟ ومن هو المنهزم ؟

ولذلك قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) أي بالسعادة.

نعم الداعية وهو يقتل أين ذاهب؟ إلى الله، بخ بخٍ ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني أحد هؤلاء.

وهو يسجن وهو يطرد وهو يوقف يعبر عن ذلك شيخ الإسلام أبن تيمية:

(ماذا ينقم من أعدائي، أنا جنتي في صدري، سجني خلوة، وتسفيري سياحة، وقتلي شهادة) .

ولهذا يقول أحد السلف:

(والله أننا لنعيش لذة ونعيما لو يعلمه الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف) .

هذه حقيقة يجب أن نفهمها ونحن نناقش هذا الموضوع، ونعيش معه.

النوع الخامس من أنواع الانتصار:

أن ثبات الداعية على مبدئه هو انتصار باهر، ثبوته رغم الشهوات والشبهات والعقبات، ولا يتحقق الانتصار الظاهر إلا بعد تحقق هذا الانتصار:

فإبراهيم عليه السلام وهو يقذف في النار في قمة انتصاره.

والإمام أحمد وهو توضع رجلاه في الحديد في قمة انتصاره، في محنة الدنيا والدين كان في قمة انتصاره.

بلال رضي الله عنه وهو يعذب ويردد أحدُ أحد كان والله في قمة انتصاره.

آل ياسر وهم يعذبون كانوا في قمة انتصارهم.

وهذا نلمسه من حديث خباب وسنذكره بعد قليل.

النوع السادس من أنواع الانتصار:

أن النصر قد يكون بقوة الحجة كما قال الطبري والسدي في قوله تعالى:

(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) .

فقوة الحجة رفع للدرجة وهو انتصار، وفي سورة البقرة في قصة الذي كفر لما حاج إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى في آخر الآيات:

( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .

من الذي انتصر ؟ هو إبراهيم عليه السلام.

النوع السابع من أنواع الانتصار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت