أن الداعية قد لا ينتصر الانتصار الظاهر في زمن، ثم ينتصر بعد ذلك انتصارا عظيما بعد سنوات، فشيخ الإسلام ابن تيمية مات وهو في السجن، وأتباعه أقل من معارضيه، أما الآن وبعد مئات السنين فانظروا كم الذين أخذوا ونهلوا واستفادوا من المنهج الذي رسمه وبينه شيخ الإسلام أبن تيمية وفق كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ؟
نقول ذلك لأننا أحيانا قد نقصر الانتصار على فترة محددة في الزمان والمكان وهذا خطأ.
أيضا قد لا يستجيب الناس لداعية في بلد، ويستجاب له في بلد آخر، وهذا كثير جدا، فيجب أن لا نقصر الانتصار على زمن محدد أو بلد محدد.
النوع الأخير من أنواع الانتصار:
أن الانتصار قد يكون أحيانا بمعنى المنع، يقول تعالى:
( وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) .
أي يمنعون، فالنصر قد يكون بمعنى المنع من الأعداء وهذا انتصار للداعية في الحياة الدنيا.
هذه بعض صور الانتصار.
ولهذا إذا رأينا أي داعية لم يتحقق له النصر الظاهر فلا يعني هذا أنه لم ينتصر.
الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، لو وقفنا مع حياة أي واحد منهم لوجدنا أنه قد تحقق له نوع من النصر، بل أحيانا أكثر من نوع من أنواع النصر في الحياة الدنيا.
فلا نقصر النصر على نوع واحد ولا على مفهوم واحد، فمفهوم النصر أوسع وأشمل وأعمق.
بعد هذا البيان أنتقل إلى نقطة أخرى وهي ما هي مهمتنا ؟
ما هي المهمة التي كلفنا فيها والتي أمرنا بها شرعا؟
هل نحن مكلفون أنه لابد أن يتحقق ويظهر الدين في حياتنا ؟
إذا قام أحد منا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هل نحكم على هذا الداعية بالفشل لأن المنكرات تزداد ، أو لأن الناس لم يستجيبوا له؟
لو قام الداعية بالنصح للمسئولين ولولاة أمور المسلمين ولم يجد جوابا، هل نقول أنه فشل؟
إذا ما هي مهمتنا؟
مهمتنا - أيها الأحباب - هي مهمة الأنبياء والرسل، استمعوا إلى قول الله تعالى:
(فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ، (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) .
والآيات كثير في هذا الباب فارجعوا إليها في كتاب الله.
مهمتنا هي البلاغ، أم الانتصار فهو أثر قد يتحقق في حياتنا، وقد يتحقق بعد وفاتنا، وقد يتحقق على أيدي غيرنا، أما مهمتنا ومهمة كل داعيةف هي البلاغ كونها مهمة الرسل، ولذل جاءت آيات أخرى كثيرة توضح هذا المفهوم أقف مع بعضها:
يقول الله جل وعلا:
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) .
(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) .
( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) .
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) .
(فلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) .
ثم استمعوا إلى هذه الآية في سورة الأنعام تبين أن الحرص على هداية الناس مطلوب، والسعي إلى هداية الناس مطلوب، ولكن على أن لا يخرجنا عن المنهج، لا بتعجل ولا بتنازل ولا بيأس أو قنوط.
استمعوا إلى هذه الآية والمخاطب فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما لم تؤمن قريش بدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتأثر عليه الصلاة والسلام بذلك قال الله جل وعلا قال له الله تعالى:
)وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
بماذا ختم الله هذه الآية؟
(فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ، الله أكبر، لا تربط دعوتك باستجابتهم، لا أنت عليك البلاغ:
(مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) ، أما هدايتهم فلو شاء الله جل وعلا لهداهم، ولكن هذا ليس لنا.
إذا هذه مهمتنا وهذه حقيقتنا:
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ* وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) .
ونقف الآن مع هذه الأمثلة من كتاب الله جل وعلا تبين لنا هذه الحقيقة:
المثل الأول نوح عليه السلام:
كم لبث في قومه ؟ تسعمائة وخمسين سنة.
وماذا كانت النتيجة، كم آمن مع نوح ؟ الآلاف، مئات الآلاف!
( قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) .