وصلى عليه وعلى رفاقهِ جمعٌ غفير ، وصلى عليه الناسُ صلاةَ الغائبِ في كلِ مكان. وحمل الرايةَ من بعده إخوانهِ وتلاميذهِ ..ومنهم الشيخُ فرحان السعدي ، ومحمد صالح الحمد وغيُرهم رحمه الله الجميع بواسع رحمته .
أيها الأخوة في الله: لم تمض شهورٌ قليلةٌ على قتلهِ حتى كانت فلسطين كلُّها تغلي وتُضْرِب من أقصاها إلى أقصاها أطولَ إضرابٍ في التاريخ ، والذي لم ينته إلا حينما تدخلَ الملوكُ العربُ على أملِ أن تتفهم حليفتهُم بريطانيا مطالبَ الفلسطينيين ، وكان تدخلُهم هذا مشفوعاً بتضييقِ الخناقِ على المجاهدين الذين أصبحوا في حاجةٍ إلى السلاحِ والذخيرة ، والغذاءِ والدواء.
وها هي الأرضُ - اليوم - تشتعلُ غضباً على اليهود ، وإخوانَنا هناك يحتاجون إلى السلاحِ والذخيرةِ بدلاً من الحجارةِ والزجاجاتِ الحارقة ، ويحتاجون إلى الغذاءِ والدواءِ ..بعد أن ضَيق عليهم اليهودُ الخناق ، ويحتاجون إلى الرجالِ لمناصرتهم ، ويحتاجون إلى الدعاةِ لشحذِ هممهِم ، وبالجملة ..يحتاجون إلى الدعم... فهل نخذلُهم؟!
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم .
الخطبة الثانية
أيها الأخوة في الله:إن الأملَ يحدونا ونحن على علمٍ أن الليلَ يعقبُه النهار، وأنه عند اشتدادِ الظلمةِ يقتربُ الفجر، وأن أشدَّ الساعاتِ حِلكةً هي التي يعقبُها الضياءُ والعاقبة للمتقين. والأمةُ إن ضُيِّق عليها في دينها وأُهينت مقدساتُها؛ فهي تغلي وتقذفُ بغضبهِا وتصبه على أعدائِها انتقاماً للدين الذي ارتضاه لها ربُها.
وإن فرط من فرط ، وتخاذلَ من تخاذل ، وضعف من ضعف ، وتولى من تولى ..فهناك من لا يفرطُ ولا يتنازلُ ولا يتخاذل ولا يضعف ولا يتولى، بل يُقدمُ ويتمسكُ ويقوى كلُما ازداد العدو كيداً وحرباً، والنصوصُ الصحيحةُ الصادقةُ تعدنا بذلك، والتاريخُ يشهد، والأيامُ دول، قال - تعالى: ] وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [ { آل عمران: 140} ولنا ألفُ عودةٍ وعودة، قال r:"لا تزالُ طائفةٍ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون"
إن الأعداء يذكون ناراً تستعر ..وستحرقهم عما قريب.. يوقدونها بالدماء وانتهاك الحرمات والمقدسات والتشريد والهدم والمصادرةِ والاستهتارِ بالقيم والمشاعر ..والمراوغةِ والحصار، كلُّ هذا لن يمر سديً ولن يُتركوا عبثاً؛ فلهم موعدٌ ويومٌ أسود ..بسواد قلوبهِم وأيديهم وصفحاتهِم عبر التاريخ.
إن البشائرَ بالانتصار عليهم كثيرةٌ جداً؛ بل هي مستقرةٌ في نفوسِ بعضهِم أكثرَ من نفوس بعضِ أبناءِ المسلمين مع الأسف؛ فمتى يستيقظ أبناء الأمة ؟
لقد كان القسّام بحق علماً للجهاد في فلسطين ،فمن يكون علم الملحمة القادمة؟
اللهم عز جارك ..
إنَّ من رحمة الله وفضله, أن ركبَّ في بني الإنسانِ من الطبائع والشمائل ما يُساهم في حفظِ إنسانيتهم, والإبقاءُ على المنزلةِ التي رشحهم الله لها, وحسبُك من ذلك الغيرةُ على المحارم, والشرفُ والحميةُ للأعراض, فهي جِبِلةٌ كريمة, تجيشُ في صدورِ الأسوياء, فتحمي مجتمعاتهم من التهتك والفساد, ألم تر أنَّ بعضَ أهلِ الجاهليةِ كانوا يدفنون بناتهم, وهنَّ أحياء خشيةَ العار, وتلك غيرةٌ جائزةٌ زائدةٌ عن حدها, عن الحد المطلوب . فلما جاءَ الإسلامُ أشادَ بهذا الخلق الكريم, ولكنَّه رشدَّهُ وهذَّبه عمَّا كان عليه, حتى جعلها غيرةً تحولُ دونَ الأعينِ الخائنةَ أن تمتدَ للمحارم, ودون الجوارحِ الآثمةَ أن تعتدي على ما حرم الله عليها, ولقد غلت الغيرةُ في دماءِ أبي بكر- رضي الله عنه- ووجد حرها في قلبه, يوم أن قيل ما قيل في عائشة, فقالها بمرارة وحنق )) ما رضينا به في الجاهلية أفترض به الإسلام ,"جاهليتهم بفجورها, وسُننها الفاسدةَ لم تكن ترضي أن تبتذلَ الأعراض, فكيف بإسلامهم رضي الله عنهم ؟"
في ذروةِ جاهليتهم, تراها عينٌ ولا تمتدُ إليه يدٌ, فلما كان الزنى بمثابة الضربةِ القاضيةِ على العرض, والمحطمةِ لبناءِ العز والشرف, حرمهُ الإسلام وحرم كل السبل المقضية إليه, الدالةُ عليه, قال عز وجل: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) )نهى عن مجردِ الاقترابِ منه, ولهذا حرِّمت كلُ ذريعةٍ إليه, فحرَّم اللهُ السفور ، والتبرج وسائله، والاختلاط وأنماطه وضرُوبه, وتشبهَ المرأةِ بالرجل, وتشبهها بالكافرات, واقرأ سورة النور تعلم كيف استقصى الإسلامُ أسباب الفساد الأخلاقي وحرمها, اقرأها ترى كيف أحص القرآنُ كل الجسور المؤدية إلى الزنى فقطعها, فأسكت الألسُن التي ترمي بالفواحش, وتعملُ على إشاعةِ أخبارها, بل حارب الظنَّ والوسُاوس, وطالب أهلها بجمع الشهود, وأغلظ عليهم في الشهادة, وأوجب استئذان الأولاد والبنات, حتى لا يطلعوا على العورات, فتتحركُ بواعثَ الشهوةِ في نفوسهم, وحرَّم على المرأةِ إبداء زينتها للأجانب عنها، وتلطف المرأة باللفظ القرآني, حتى بلغ أدقَّ التفاصيل, فمنع المرأةَ من الضرب برجلها, ليُسمع صوت خلخالها, إذ كان ذلك يثير الرجال ويحركهم نحوها, فأيُّ صيانةٍ هذه للمرأة, وأيُّ حفاظٍ عليها, تبارك الله عزَّ وجلَّ، (ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيفُ الخبير) .
وتأمل في الأحكامِ الشرعيةِ التي أحاطت بالمرأةِ, فشكَّلت سياجاً آمناً, وحصناً منيعاً لعفتها وشرفها، فسفرها دون محرمٍ حرامٌ عليها, والخلوةُ بها محرمة, ومصافحتها محرمة, ودخولُ الرجال عليها حتى وإن كانوا إحماءها حرام, وشُرع لها صلاتها في بيتها, وأُسقط عنها وجوبُ الجمعة, وأمرها بغضِ بصرها, وأمر بغض البصرِ عنها, ونهاها عن الخضوع بالقول والتكسُر فيه, وأمرها بشدِّ وجهها وقدميها وذراعيها وعنقها, كلُ ذلك وهي مساويةً للرجل في الحقوق والواجبات, مفتوحةً لها أبوابُ العلم والإبداع, بما يوافقُ فطرتها, ويلائِم تركيبها, فالرجال بالقوامة عليها, بالسعي عليها صيانة لها عن ابتذال نفسها, وحفظاً لها من الاستغلال والاستضعاف, وحسبك ما نسمعُ من استغاثة الراكضات خلف المال والوظيفة, مما يجدنه من المضايقات والتحرشات والاعتداءات,