وقال تعالى: ?قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ? (18) . والآيات في بيان جميل عاقبة المتقين كثيرة عديدة وكفى بقوله: ?وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين? (19) على ذلك دليلاً فتزودوا أيها المؤمنون من تقوى الله تعالى فإنها خير زاد كما قال الله تعالى: ?وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? (20) ولا نجاة إلا بهذا الزاد
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت يوم الحشر من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم تُرصد كما كان أرصدا
فاتقوا الله عباد الله وتواصوا بينكم بذلك فإن هذا هو سبيل المتقدمين من السلف الصالحين المتقين كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله: من عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن عمر أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده واجعل التقوى نُصب عينيك وجلاءَ قلبِك. وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى رجل من أصحابه: أوصيك بتقوى الله فإنها أكرم ما أسررت وأزين ما أظهرت وأفضل ما ادخرت أعاننا الله وإياك عليها وأوجب لنا ولك ثوابها.
ولما كان هذا هو سبيل الأولين بارك الله في أعمالهم وأقوالهم وأرزاقهم وفتح عليهم من الخيرات مالم يكن منهم على بال فكانوا خير أمة أخرجت للناس في دينهم ودنياهم. وكل من أراد العز في الدين والدنيا والبركة في الرزق والوقت والعمل فعليه بتقوى الله تعالى فإنها من أعظم ما استنزلت به الخيرات واستدفعت المكروهات.
قال الله تعالى: ?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ? (21) .
(1) النساء: 131.
(2) الشعراء: 106.
(3) الشعراء: 124.
(4) الشعراء: 161.
(5) الشعراء: 177.
(6) الأحزاب: 1.
(7) أخرجه أحمد من حديث معاذ بن جبل برقم 21554 وهو عند الترمذي في البر والصلة من حديث أبي ذر برقم 1987.
(8) الحجر: 99.
(9) آل عمران: 110.
(10) الحج: 32.
(11) الطلاق: 4.
(12) الطلاق: 2-3.
(13) البقرة: 197.
(14) الشعراء: 88- 89.
(15) الزمر: 61.
(16) الطلاق: 5.
(17) الزمر: 20.
(18) آل عمران: 15.
(19) القصص: 83.
(20) البقرة: 197.
(21) الأعراف: 96.
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
أيها المؤمنون اتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن تقوى الله جل وعلا لن تستقيم لكم إلا بإصلاح قلوبكم وتطهيرها من الأمراض والآفات بالبر والطاعات، ولهذا فإن الله جل ذكره بعث الرسل وأنزل الكتب لإصلاح القلوب وتطهيرها، وتزكيتها وتطييبها، كيف لا ؟
وبالقلب يعرف العبد ربه فيتعرف على أسمائه وصفاته، وبالقلب يعلم العبد أمر الله ونهيه وبالقلب يحب العبد ربه ويخافه ويرجوه، وبالقلب يفلح العبد وينجو يوم القيامة قال الله تعالى: ?يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ` إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ? (1) أي أتى الله بقلب سليم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره ونبأه.
وبالقلب يا عباد الله يقطع سفر الآخرة فإن السير إلى الله تعالى سيرُ القلوب لا سيرُ الأبدان.
قطع المسافة بالقلوب إليه لا بالسير فوق مقاعد الركبان
قال ابن رجب رحمه الله: (( فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه في الاجتهاد في الأحوال القلبية فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان ) ).
والقلب يا عباد الله هو موضع نظر الله سبحانه وتعالى من عبده ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) (2) .
فيا لله العجب، من أقوام صرفوا جلّ اهتمامهم في تحسين ظواهرهم، وغفلوا عن قلوبهم وأفئدتهم، وما أصدق ما قاله ابن القيم رحمه الله:
فالفضل عند الله ليس بصورة ال أعمال بل بحقائق الإيمان
وبصلاح القلب يا عباد الله تصلح الأجساد ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) (3) .
أيها المؤمنون بالله ورسوله يا من ترجون الله والدار الآخرة، عليكم بحفظ قلوبكم وإصلاحها وحسن النظر فيها وبذل المجهود في استقامتها، واعلموا أنه لن يتم لكم ما ترجونه من صلاح قلوبكم حتى تسلم قلوبكم من أربعة أمور:
الأمر الأول: أن تسلم من الشرك صغيره وكبيره فإنه من أعظم مفسدات القلوب قال ابن القيم رحمه الله: ولا صلاح له - أي للقلب - إلا بتوجيه محبته وعبادته وخوفه ورجائه.
الأمر الثاني: أن تسلم من البدعة ومخالفة السنة، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فإذا امتلأ القلب بالبدع أظلم وإذا أظلم مرض ولم يصح.
الأمر الثالث: أن تسلم من الشبهات التي تزيغها وتحملها على اتباع الهوى والتكذيب بالحق.
الأمر الرابع: أن تسلم من الشهوات التي تمرضها وتفسدها.
أيها المؤمنون إن السلامة من هذه الآفات الكبرى، لا تتأتى إلا بأسباب لابد من الأخذ بها ومقدمات لابد من تحصيلها.
فمن أسباب صلاح القلوب واستقامتها الأخذ بالقرآن العظيم تلاوة وحفظاً وتدبراً وتعلماً فإن الله سبحانه وتعالى أنزله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ? (4) .
فالقرآن أبلغ موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو أنفع الأدوية لما في الصدور من أمراض الشبهات والشهوات قال ابن القيم رحمه الله: (( جماع أمراض القلوب هي أمراض الشبهات والشهوات والقرآن شفاء للنوعين ) ). فأقبلوا على كتاب الله يا عباد الله فإنه لا صلاح لكم ولا سعادة إلا بالتمسك به فاعتصموا به ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
ومن أسباب صلاح القلوب واستقامتها إعمارها بمحبة الله تعالى فلا فلاح ولا صلاح ولا استقامة ولا لذة ولا طيب إلا بمحبة الله تعالى قال النبي r: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَ إليه مما سواهما ) ) (5) متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( فالمحبة أعظم واجبات الدين وأكثر أصوله وأجل قواعده بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين ) . فاجتهدوا يا عباد الله في تحصيل محبة الله تعالى واعلموا أن طريقها الأكبر أداء الفرائض والواجبات والاجتهاد في النوافل والمستحبات قال الله تعالى في الحديث الإلهي: (( وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ) ) (6) .
ومن أسباب صلاح القلوب وتطييبها ذكر الله تعالى: ?أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? (7) . وقال النبي r: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ) ) (8) .
فذكر الله تعالى أيها المؤمنون جلاء القلوب فإن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وجلاؤه ذكر الله تعالى فأكثروا أيها المؤمنون من ذكر الله تعالى في جميع الأوقات لا سيما في أدبار الصلوات وفي الصباح والمساء وغير ذلك من المناسبات فإنها من أعظم ما يصلح القلوب.