لن تسلكي درب الخلاص بمدفع ... وبكثرة الأعوان والأصحاب
لن تبلغي إلا بنهج صادق ... وتعلق بالخالق الوهّاب
تفنى الجيوش وتنتهي آثارها ... وننال بالإيمان عز جناب
وتظل قوة ربنا الغلاب ... تفنى القوى مهما تكاثر عدها
اللهمّ إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم اهدنا، ويسّر الهدى لنا، وثبتنا على الإسلام حتى نلقاك
الخطبة الأولى
أيّها الإخوة في الله:
تلقيت اتصالا هاتفياً من إحدى الأخوات، فإذا بها تريد أن تعرض مشكلةًَ حصلت في بيتها، وقضيةً أقلقت بالها، وأقضت مضجعها، وقلبت حياةَ السعادةِ همّاً، والراحةِ غمّاً، فقلت لها:
ما هي قضيتك؟!، وما هو خبرك؟!.
فقالت بصوت حزين: كنا نعيش في راحة تامة، وسعادة عامة، أنا ومجموعةٌ من إخوتي، وكانوا حريصين على الخير والاستقامة، محافظين على صلاة الجماعة، فحصلت لأحدهم بعثةٌ دراسية لخارج البلاد، ففرحنا بذلك، واستبشرنا بهذا الخبر!.
ذهب أخي هناك ومكث مدةً طويلة لإتمام دراسته، ثم عاد أخي إلينا، نعم عاد إلينا، وأقيمت له حفلةٌ لسلامته وعودته، وحصولِه على الشهادة، ثم مضت الأيامُ، فإذا بها تكشتف حقيقة مروعة، وصورة مفزعة.
قالت: أخي الذي كنت أعرفه قبل سفره للخارج، أصبح ينظر إلينا باحتقار وازدراء، ويرى أننا لا نزال في قمة الرجعية والتخلف، وبدأ يُظهر إعجابَه بالحياة الغربية، وما هم عليه من التقدم والحرية، ثم هو يناقشنا دائماً: لماذا أنتم غاضبون على يهود، إنهم مظلومون، مشردون، يبحثون عن حقهم وأرضهم، التي سلبت منهم؟!.
وفوق ذلك بدأ يتخلف عن الصلاة، بل تركها بالكلية، إلا مجاملة لضيف أو قريب.
حاولت إعطاءه الأشرطةَ النافعةَ فكان يلقيها ويسخر مني، وضعت كتباً في غرفته فإذا بها في سَلْةِ المهملات.
باختصار يا شيخ: أخي تغير من حياة الإسلام إلى حياة الكفر، فماذا أفعل ؟وماذا أصنع ؟ فوالدتي لا يرقى لها دمع ولا يهنأ لها عيش، حزنا على ولدها الذي فقدته وهو لا يزال على قيد الحياة ؟!.
أيها الأخوة في الله:
هذه مأساة تتكرر بسبب تهاونِ كثير من الناس في أمر السفر إلى بلاد الكفر، أو بلاد تشابهها:
أنا لست وحدي في طريق متاهتي ... أبناؤكم في الغرب بالعشرات
أبناؤكم في الغرب مصدرُ رزقهِ ... يتصدقون عليه بالنفقات
سلمتموهم للعدو غنيمةً ... فلتغسلوا الأدران بالعبرات
البعض يذهب هناك من أجل السياحة، أو من أجل تعلم اللغة الأجنبية أو الدراسة، مع عدم توفر الشروط الشرعية فيه: فلا ضرورة في السفر هناك، ولا علم عنده يدفع به عن نفسه الشبهات، ولا دين يردعه عن الشهوات.
يخرج الشابُ من بيئته المحافظة، ومجتمعهِ الطاهرِ العفيف، فيرى هناك التقدمَ الصناعيَ، والتفوقَ العلميَ، فيصاب بالانبهار بالحضارة الغربية التي هي كسراب بقيعة، فيعتقد أن ما نحن عليه من ضعف صناعي، وتخلف تقني، هو بسبب ما نتمسك به من دين وعقيدة، وقيم وأخلاق، فإذا به يستحي أن ينتمي إلى هذا الدين، وتزداد قناعتُه بما عليه الغربُ الكافرُ من تفسخ وانحلال، وضياع واضمحلال، وأنه الحقُ الذي لا مرية فيه، والصوابُ الذي لا شك فيه، فيبدأ بالتخلي عن مبادئه وقناعاته السابقة، يتخلى عن مبادئ الإسلام العظام، ومبانيه العظام، فيصبح كما أصبح هذا الشابُ المسكينُ، الذي نسأل الله تعالى أن يردَه إلى الحق رداً جميلاً وسائر المسلمين يا رب العالمين.
ومن أجل هذا حرص الغربُ الكافرُ على قضية البعثات العلمية، والدعايات السياحية، والتي من خلالها، يتم غسلُ أدمغةِ كثير من أبناء المسلمين، وقلب المفاهيم لديهم، وتغير الحقائق في أذهانهم، إلى مفاهيم منكوسةٍ، ومعاييرَ مقلوبة، فيخرج جيلٌ لا يعرف من الإسلام إلا اسمهُ، ولا من القرآن إلا رسمهُ، فيعمل هؤلاء في بلدهم ما عجز الأعداء عن تنفيذه وعمله.
أيها الأخوة في الله:
وإذا انتقلنا من القرن الخامس عشر لنقف على القرن الأول الهجري، قرنِ الجيلِ الفريد، أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلّم، لنرى صورةً مشابهةً لهذه الصورة، ونعلمَ أن الفتنةَ لا تؤمن على الحي ولو كان أتقى الناس، فـ"القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء". (1) كما قال عليه الصلاة والسلام.
فعندما اشتد آذى كفارِ قريش للفئة المؤمنة في مكة، وضاقت بهم الأرض، أمر النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وذكر عليه الصلاة والسلام أن فيها ملكاً لا يظلم، فانتقل إليها كوكبةٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليعبدوا الله تعالى دون أن يمسَهم أذى أو يصيبَهم مكروه، وكان من ضمن هؤلاء الذين هاجروا عبيدُ الله بنُ جحش الأسدي مع زوجِته أمِ حبيبة بنتِ أبي سفيان رضي الله عنها، فلما وصل هناك ورأى أهلَ الحبشةِ وما هم عليه من دين، وكانوا على دين النصرانية، تأثر بهم، فكان يفكّر دائماً، وبعد فترة من الزمن قرر الدخولَ في النصرانية، وبالفعل أخبر زوجتَه أمَ حبيبة أنه ترك الإسلامَ ودخلَ النصرانيةَ! نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
تأمل معي أخي الكريم هذه الحادثةَ العجيبةَ، رجل أسلم قديماً، فكان من أوائلِ من أسلم، وهاجر من أجل الدين، ترك أرضَه وأهلَه ومالَه من أجل الدين، وهو من القرن الأول، وممن شاهد التنزيلَ، ورأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم، وما أيده به الله تعالى من معجزات، وهجرتُه كانت لضرورة ولم تكن من أجل السياحة والنزهة، أو قضاءِ الوقت للتعرف على معالم تلك البلاد! ومع ذلك؛ حدث له هذا الحادثُ العظيم، الذي خسر به الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران العظيم.
فماذا نقول إذن لمن هم أقلُ من هذا بكثير؟!. ماذا نقول لمن ينتقلون إلى تلك الديارِ البائسةِ من أجل السياحة ويصطحبون معهم فلذاتِ الأكباد، ومهجَ النفوس؟! حتى بلغ عددُ الذين يسافرون لتلك الديار البائسة أكثرَ من أربعةِ ملايين سائح.
وقد أكدت الدراساتُ أن أربعةً وعشرين بالمائة من الأسر السعودية تتجه نحو السياحةِ الداخلية، بينما يتجه سبعةٌ وأربعون بالمائة إلى دول غربية، والنسبة الأخرى متجهةًَ إلى الدول العربية!.
وبلغت نسبةُ المصروفاتِ الخارجيةِ حوالي خمسةٍ وأربعين مليار ريال سعودي. (2)
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فإلى الذين يردّدون صباح مساء: لا إله إلا الله، وهم يعلمون أنهم يعلنون بهذا، ولاءهم الكاملَ لله ورسوله، ويسلمون له قيادَهم.
إلى المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وعلى ربهم يتوكلون.
إلى هؤلاء نسوق حكمَ اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلّم في هذا المنكر، الذي أصبح اليومَ معروفا، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) . [سورة النساء، الآيات: 97-99] .
قال ابن ُكثير رحمه الله:"هذه الآيةُ الكريمةُ عامةٌ في كلِ من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادرٌ على الهجرة، وليس متمكناً من إقامةِ الدين، فهو ظالمٌ لنفسه، مرتكبٌ حراماً بالإجماع، وبنصِ هذه الآية" (3) .