فهرس الكتاب

الصفحة 7741 من 9994

ويقول صلى الله عليه وسلّم:"من جامعَ المشركَ وسكنَ معَه فإنه مثلُه" (4) . وقوله صلى الله عليه وسلّم:"ولا تستضيئوا بنار المشركين" (5) . وفي حديث بهز بن حكيم:"أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك".

قال ابنُ كثير:"معناه لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم"، ولهذا روى أبو داود فقال:"لا تراءى ناراهما" (6) . وفي قصةِ إسلامِ جرير، لما قال: يا رسول الله! بايعني واشترط، فقال:"أن تعبدَ الله ولا تشركَ به شيئاً، وتقيمَ الصلاة، وتؤتَي الزكاة، وتناصحَ المسلمين، وتفارقَ المشركين" (7)

وقد أدرك علماءُ السلفِ رضي الله عنهم من هذه النصوصِ وغيرِها، تحريمَ السفرِ لبلادِ الكفار لغير عذر شرعي، فعن عبدِالله بنِ عمرو رضي الله عنهما أنه قال:"من بنى بأرض المشركين، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (8) .

وقال الحسنُ بنُ صالح رحمه الله:"من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلامَ وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامهُ أحكامُ المشركين" (9) .

وقال الشيخُ عبدُاللطيفِ بنُ حسنِ آل الشيخ رحمه الله:"إن الإقامةَ ببلد يعلو فيها الشركُ والكفرُ، ويظهر فيها دينُ الإفرنج والروافض، ونحوهِم من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائُرهم، ويهدم الإسلامُ والتوحيدُ، ويعطل التسبيحُ والتكبيرُ والتحميدُ، وتقلع قواعدُ الملةِ والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقةُ الإسلامِ والإيمانِ والدينِ، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي الله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فإن الرضا بهذه الأصولِ الثلاثةِ، قطبُ رحى الدين، وعليه تدور حقائُق العلمِ واليقينِ، وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاتِه، والغيرةِ لدينه والانحيازِ إلى أوليائه، ما يوجب البراءَة كلَ البراءِة، والتباعدَ كلَ التباعدِ، عمن تلك نحلتُه وذلك دينُه، بل نفسُ الإيمانِ المطلقِ في الكتاب والسنة، لا يجامعُ هذه المنكرات" (10) .

ويقول العلامةُ ابنُ باز رحمه الله تعالى:"السفر إلى البلاد التي فيها الكفرُ والضلالُ والحريةُ وانتشارُ الفسادِ من الزنى وشرب الخمر وأنواع الكفر والضلال فيه خطر عظيم على الرجل والمرأة، وكم من صالح سافر ورجع فاسداً، وكم من مسلم رجع كافراً، فخطرُ السفرِ عظيم والواجب الحذر من السفر لبلادهم، لا في شهر العسل ولا في غيره" (11) .

ويقول الشيخُ صالحُ الفوازان حفظه الله تعالى:"لا يجوز السفرُ إلى بلاد الكفار من أجل النزهة لما في ذلك من الخطر على العقيدة والأخلاق، ولا يجوز للمرأةِ أن تطيعَ زوجَها في السفر في هذه الحالة لأنه معصية، ولا طاعَة لمخلوقٍ في معصيةِ الخلق" (12) .

بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أيها الأخوة في الله:

ومع هذه الأدلة ِالواضحةِ، والبراهينِ الساطعةِ، وأقوالِ السلفِ والخلفِ النيرةِ، نرى بعضَ الأسرِ ينتظرون بفارغ الصبر لتبدأ رحلات سياحية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بدعوى الترفيه.

وإنني إذ أدعو كلَ أبٍ إلى الترفيه المباح الحلال له ولأولاده، أقول: يجب أن يكون هذا الترفيهُ متفقاً مع قيمنا، متكاملاً مع عقيدتنا، يبني ولا يهدم، يقدم ولا يؤخر، فيزداد الأولادُ بالتأمل في خلق الله من جبال وأنهار، وسهول وبحار، وزهور وأشجار إيماناً وتسليماً، كما يزدادون معرفةًَ ببلاد الله الواسعةِ وعبادهِ المنتشرين فوقَ أرض الله.

ولكن أن تصبح السياحةُ في بلاد تخلع فيها الكرامة وينسلخ بها الحياء، ثم نبذل فيها الأموال الطائلة، فقل لي بربك:

ماذا ستجني الأمةُ من جراء ذلك؟!.

وكم من المكاسب سيتحصل عليها الأعداءُ من ذهابنا إلى ديارهم؟! من ضعف في الديانة، وتدهور في الأخلاق والكرامة وذلك.

والله، إنّ هذا لهو الخسران العظيم.

وإننا لا نعجبُ والله من القنواتِ الفضائية، والإذاعةِ الغربية في التسويق للسياحية الخارجية، لأنهم نصبوا أنفسَهم لحرب الدين والقضاء على أهله، ولكنّ العجبَ كلَ العجبِ من صحفنا ومجلاتنا وأماكن الدعايات في شوارعنا، التي أصبحت مرتعا لما نُحَّذر منه، فحين نُقلبَّها لا نجدها ممتلئة بشروح مفصلة لما يتعرض له المسلمون في شرق الأرض وغربها من حروب فتاكة، ودماء مهدرة، وأراض منهوبة، وحقوق مضيعة، كلا، كلا، فهذه قضايا جانبية، وأحداث هامشية.

وقد بلغ بهم التضليلُ لأبناء هذا الوطن المعطاء أن تُفَرغ أعمدةٌ كاملةٌ للإعلانات، عن ماذا يا ترى؟!:

هل لحملة تبرعات للإخواننا المتضررين في مشارق الأرض ومغاربها؟!.

كلا، بل أقل من ذلك!.

هل هي إعلاناتٌ من أجل السياحيةِ الداخليةِ في هذا البلد الذي تتوفر فيه مقومات السياحة؟!.

أيضاً: كلا، إنها الإعلاناتُ السياحة، والتخفيضاتُ الخيالية عن أسعار التذاكر، والإقامة في بلدان تغلب عليها الرذيلةُ!.

إنها دعوة لأهل هذه البلاد رجالاً ونساءاً، صغاراً وكباراً إلى السفر للخارج، وبذل الأموالِ الطائلةِ لإضاعةِ قيمِ الإنسان ومبادئهِ، وأخلاقهِ وعفافهِ، وطهرهِ ونقائه!.

ويا ترى ماذا يفعل بعضُ شبابِنا هناك، هناك في ديار العهر والفساد، هناك في بلاد الكفر والإلحاد:

في أرض أوروبا قتلت كرامتي ... وأضعت في حاناتها ثرواتي

وعلى مسارحها نثرت دراهمي ... وأجدت فيها أحسنَ الرقصات

باريس تعرفني ولندنُ لم تزل ... ترنو إلى جيبي وحسنِ هباتي

وعيون مانيلا تراقب مقدمي ... ولكم غرستُ بأرضها شهواتي

كم حانة ذوبت فيها همتي ... وعقدتُ فيها خيرَ مؤتمراتي

وشربت فيها الكأس حتى خِلتني ... أدمي فؤادَ الكأسِ بالرشفات

أيها الأخوة في الله:

إذا كنا نشكو من وفرةِ المالِ فإن هناك إخوانا لنا من المسلمين يتضورون جوعا وتهلكهم المصائبُ ولا يجدون من يغيثهم ؟!!

وإذا كنا نشكو من الفراغ فلنتذكر حديثَ نبينِا محمدٍ صلى الله عليه وسلّم حين قال:"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" (13) .

وإذا كنا عازمين على السفر للخارج، فلماذا لا يتم التنسيقُ مع المؤسسات الخيرية، والجمعيات الإسلاميةِ لتكون الرحلاتُ دعويةً، بدلاً من أن تكون سياحيةً، فتطعم المساكين، وتفرج كربةَ المكروبين، وتعلم الجاهلين، وتتحسّس أخبار المضطهدين، وتعلم ماذا يفعل النصارى الحاقدون بإخوانك المسلمين.

وإذا كنا نشكو من قلةِ الفرصِ المتاحةِ لنا ولأبنائنا، فإن سبلَ الخير متوفرةٌ وموجودةٌ، ولا عذرَ لأحد في تجاهلها من سياحة داخلية في بلادنا العامرة، وعمرةٍ لبيت الله الحرام، وزيارةٍ للأقارب والأرحام، ومراكزَ صيفيةٍ بناءة، وحَِلق تحفيظِ القرآن للرجال والنساء، وغيرِها من فرص الخير.

ولنعلم جميعاً أننا أمةٌ إن تعاونت على البر والتقوى، فلن يكون بها مكان لسماسرة الترفيهِ المشبوه ولا لألبسة التحرر الموبوءة.

وسنجني بإذن الله تعالى أطيبَ الثمارِ عندما نحافظ على فلذاتِ أكبادِنا، ونحرص على تربيتهم التربيةَ الجادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت