فهرس الكتاب

الصفحة 6575 من 9994

#التحذير من الحرص على المال والشرف في الدنيا

عبد العظيم بدوي الخلفي

ملخص المادة العلمية

1-خطر الحرص على المال والشرف على دين المسلم. 2- كيف يكون الحرص على المال. 3- كيف يكون الحرص على الشرف وبعض آفات حب الشرف. 4- خطورة طلب العلم من أجل عرض من عرض الدنيا. 5-أثر التنافس على الدنيا في سلوك الإنسان وأسباب الزهد فيها.

عن كعب بن مالك الأنصاري عن النبي قال: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) ).

هذا مثل عظيم جدا، ضربه النبي لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين، يأتيان في الغنم وقد غاب عنها رعاؤها ليلا، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل.

فأخبر النبي أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساويا، وإما أكثر، يشير أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل.

فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.

فأما الحرص على المال فهو على نوعين:

أحدهما: شدّة محبة المال مع شدة طلبه من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه، والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة، ولو لم يكن في ذلك إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له، وقد كان يمكن صاحبه اكتساب الدرجات العلى والنعيم المقيم، فضيعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم، لا يأتي منه إلا ما قدر وقسم، ثم لا ينتفع به، بل يتركه لغيره ويرتحل عنه، ويبقى حسابه عليه، ونفعه لغيره، فيجمع لمن لا حمده، ويقدم على من لا يعذره، لو لم يكن في الحرص على المال إلا هذا لكفى ذما للحرص على المال.

وقد قيل لبعض الحكماء: إن فلانا جمع مالا. فقال: فهل جمع أياما ينفقه فيها؟ قيل: لا، قال: ما جمع شيئا، وفي هذا المعنى قيل:

يا جامعا مانعا والدهر يرمقه مفكرا أي باب منه يغلقه

جمعت مالا ففكر هل جمعت له يا جامع المال أياما تفرقه

المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه

إن القناعة من لم يحلل بساحتها لم يأل في طلب مما يؤرقه

وكتب بعض الحكماء إلى أخ له كان حريصا على الدنيا:

أما بعد:

فإنك أصبحت حريصا على الدنيا، تخدمها وهي تخرجك عن نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل، كأنك لم تر حريصا محروما، وزاهدا مرزوقا، ولا ميتا عن كثير، ولا متبلغا من الدنيا باليسير.

والنوع الثاني من الحرص على المال: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة، ويمنع الحقوق الواجبة، فهذا من الشح المذموم، الذي لا يفلح أهله أبدا، قال الله تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر:9] .

وقال النبي: (( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) ).

قال العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها، ويمنعها حقوقها، فلا يرضى بما قسم الله له من الحلال الطيب، بل يتطلع إلى ما حظر عليه ومنع منه، وهذا هو الشح الهالك، الذي أخبر النبي أنه يأمر بالبخل والقطيعة والفجور، ولهذا أخبر أنه: (( لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا ) ).

وقال: (( شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع ) ).

فإذا بلغ الحرص على المال هذه الدرجة فإنه لا يبقى في القلب من الدين والإيمان إلا القليل، كما لا يبقى من حظيرة غنم دخل عليها ذئبان جائعان ضاريان ليلا فعملا فيها فسادا في غياب أهلها إلا القليل.

أما الحرص على الشرف فهو أشد هلاكا، وأعظم فسادا، وأكبر ضررا وخطرا من الحرص على المال.

ذلك أن الإنسان بطبيعته يطلب الرياسة والولاية، ويحب الشرف والظهور والعلو.

والزهد في الرياسة أصعب من الزهد في المال، ذلك أن المال ينفق في طلب الشرف والولاية والرياسة، لهذا كان الحرص على الشرف أعظم خطرا وأشد فسادا، وأكبر ضررا من الحرص على المال. والحرص على الشرف نوعان:

الأول: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال، وهذا خطر جدا، وهو في الغالب يمنع شرف الآخرة وكرامتها وعزها، كما قال تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للدين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [القصص:83] .

وقل من يطلب الرياسة ويحرص عليها ثم يوفق فيها، ولهذا قال النبي لعبد الرحمن بن سمرة: (( يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ) ).

وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت