فهرس الكتاب

الصفحة 6576 من 9994

وعن أبي موسى الأشعري: (( أن رجلين قالا للنبي: يا رسول الله أمرنا! فقال: إنا لا نوّلي هذا من سأله ولا من حرص عليه ) ).

ومن دقيق آفات حب الشرف: أن يحب ذو الشرف والولاية أن يحمد على فعله ويثني عليه به، ويطلب من الناس ذلك، ويتسبب في أذى من لا يجيبه إليه، وربما كان هذا الفعل إلى الذم أقرب منه إلى المدح، وربما أظهر أمرا حسنا وأحب المدح عليه وقصد به في الباطن شرا، وهذا يدخل في قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم [آل عمران:188] .

والنوع الثاني من الحرص على الشرف: أن يطلب الشرف بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد.

وهذا أفحش من الأول وأقبح، وأشد فسادا وخطرا، فإن العلم والعمل والزهد إنما يطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويطلب به ما عند الله والقرب منه والزلفى لديه.

قال الثوري: إنما فُضّل العلم لأنه يتقى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء.

فإذا طلب بشيء من هذا عرض الدنيا الفاني فهو أيضا نوعان:: أن يطلب به المال، فهذا من نوع الحرص على المال وطلبه بالأسباب المحرمة. وفي هذا يقول: (( من تعلّم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) ).

وسبب هذا - والله أعلم - أن في الدنيا جنة معجلّة، وهي معرفة الله تعالى ومحبته، والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشمّ رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة. ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو أشد الناس حسرة يوم القيامة، حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها، فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء مستقذر لا ينتفع به.

والنوع الثاني: هو أن يطلب بالعلم والعمل والزهد الرياسة على الخلق والتعاظم عليهم، وأن ينقاد الخلق له ويخضعوا، ويصرفوا وجوههم إليه، وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء ليعلو به عليهم، ونحو ذلك، فهذا موعده النار لأن قصد التكبر على الخلق محرم في نفسه، فإذا استعمل فيه آلات الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان.

عن النبي قال: (( من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار ) ).

وقال: (( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحيزوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار ) ).

وهكذا تبين لنا ذم الحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن ذلك يفسد الدين كفساد ذئبين جائعين أرسلا في حظيرة غنم ليلا في غياب الرعاة، ولكن النفس مفطورة على طلب العلو والرفعة، والإسلام لا يحارب الفطرة ولا يقاومها، ولكنه يرشدها ويقوّمها، ولذلك أرشد الله تبارك وتعالى عباده إلى طلب العلو في الآخرة، وأمرهم بالتنافس فيه تلبية لدافع الفطرة. قال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين .

ووصف ما في الجنة من النعيم فقال: إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيم مختوم ختامه مسك [المطففين:22-26] .

فالعاقل هو الذي يطلب العلو والرفعة في الآخرة، وينافس الناس في ذلك، كما قال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة.

إن التنافس في الدنيا قد أهلك الناس! إن التنافس في الدنيا قد أتعب الناس! إن التنافس في الدنيا قد أشقى الناس! إن التنافس في الدنيا قد أتعس الناس!: (( تعس عبد الدينار! وعبد الدرهم! إن أعطى رضى وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش! ) ).

إن التنافس في الدنيا قد أوقع الناس في الشح الذي حملهم على قطع الرحم وعقوق الآباء، والإساءة إلى الجيران، ولم يعد مسلم يعرف لأخيه المسلم حقا بسبب التنافس في الدنيا، ولذلك حذر الإسلام من التنافس في الدنيا، ورغب المسلمين في التنافس في طلب العلو في الآخرة.

قال الله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا [الإسراء:21] .

ففي درجات الآخرة الباقية يشرع التنافس وطلب العلو في منازلها، والحرص على ذلك، والسعي في أسبابه، وأن لا يقنع الإنسان منها بالدون مع قدرته على العلو.

وأما العلو الفاني المنقطع الذي يعقب صاحبه غدا حسرة وندامة، وذلّة وهوانا وصغارا، فهو الذي يشرع الزهد فيه والإعراض عنه، وللزهد فيه أسباب:

منها: نظر العبد إلى سوء عاقبة الشرف في الدنيا بالولاية والإمارة لمن لا يؤدي حقها في الآخرة، فينظر العبد إلى عقوبة الظالمين والمكذبين، ومن ينازع الله رداء الكبرياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت