فهرس الكتاب

الصفحة 5237 من 9994

#سعار الشهوة

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

فقد سلف الحديث عن داءِ خطيرِ وهو [ حجاب الغفلة ] ، وحديثنا اليوم عن الداء الآخر وهو [ سعار الشهوة ] ، وكما أسلفت القول فإن هاذين الدائين هما اللذان يقع بهما كثير من الخلل في حياة المسلمين ويقع فيهما كثيرُ أو بسببهما كثير من ألوان الضعف والزيغ والانحراف في حياة الأمة الإسلامية .

فحجاب الغفلة يقعد عن الطاعات ، وسعار الشهوة يبعث على مقارفة المنكرات وإتيان المعاصي وتوسع الأمر في مقارفة وارتكاب المحرمات .

وإذا كنا قد تحدثنا عن الغفلة وبعض أسبابها وآثارها ؛ فإن الحديث عن الشهوة أعظم وأخطر ، وإن انتشاره وضرره أفتك وأعمق ، ومن هنا فإننا نحتاج إلى أن نكون صرحاء مع أنفسنا وإلى أن نكون مقرين وعالمين وعارفين بواقعنا وألا نكون كالنعام تدسّ رأسها في التراب كأنها تدرأ الخطر هي إنما تزيل أسباب معرفته وتمنع أسباب توقعه فلا تكون حينئذِ مهيأةَ للاستعداد له فضلاً عن مواجهته .

والشهوة هي:"الميل والرغبة"، وتنطوي على أمرين اثنين معاً فطرةٌ غريزية بشرية ولذةٌ جثمانيةٌ جسدية ، فهي في الابتداء انبعاثٌ فطريٌ وهي في الانتهاء تلذذٌ بدنيٌ ؛ ومن هنا فإن لها في طبع الإنسان في أصل خلقته أصلُ كما قال الله عز وجل: { ونفسِ وما سواها * فألهما فجورها وتقواها } .

ففيها قابليةٌ لهذا وهذا وكما ذكر ابن القيم رحمه الله:"فإن النفس البشرية تجمع الكثير والكثير من الأوضار والأمراض والعلل والأدواء .. من حسد إبليس ومن هواء بلعام ومن عتو عاد ومن طغيان فرعون ومن جهل أبي جهل ومن طغيان الوليد إلى غير ما ذكر من هذه الأوصاف البشرية ، فلقد ذكر أن في النفس أيضاً طبائع متفرغة في كثيرِ من الحيوانات ففيها مكر لثعلب وخفة الفراش وصولة الأسد ووثوب الفهد ودنائة الجعل وغير ذلك من هذه الأحوال قال: وكل ذلك يهذبه الإيمان وتعالجه الاستقامة على طاعة الله عز وجل".

ومن لم يكن كذلك ؛ فإن شهوات نفسه تزداد سعاراً ، وتتأجج ناراً ، وتهوي به في مهاوي الردى ، وتلبسه لباساً أسوء وأشر من لباس الحيوانات والبهائم التي تحركها غرائزها وليس لها عقول تضبطها ، ولا شرائع تحكمها ، والله - عز وجل - قد كرّم بني أدم وفضلهم على كثيرٍ من الخلق بنعمة العقل والإدراك ، ثم بما منّ الله - عز وجل - به عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وما ختمت به الشرائع بدين الإسلام ، فمن أعرض عن مقتضى العقل السليم وعن مقتضى الفطرة النقية وعن مقتضى الشرع المستقيم ؛ فإنه - لا شك - يكون قد تجاوز ذلك كله بسبب نداء الشهوة وسعارها وميله إلى موافقتها يتخطى بذلك فطرته وإنسانيته ويلغي بذلك عقله وحكمته ويخلف شرع الله سبحانه وتعالى وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

والله - جل وعلا - قد بيّن لنا هذه الحقائق في كتابه ، وبيّن أن هذه الشهوات فطرٌ ، وأنّ لها في الحياة جذبٌ ، وأن لها من أفعال شياطين الإنس والجن إغواءٌ وإغراءٌ وتزينُ كما قال جل وعلا: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث } .

صورُ متعددة متبهرجة متزينة تميل إليها النفوس بطبيعتها ، وأعظمها فتنة النساء وفتنة المال وفتنة الشهوات الأخرى من المطاعم والمشارب ، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي يقول: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .

الذي يعلم ما يحتاجه الناس ، وما يصلح حالهم قد شرع لهم في شرعه الحكيم ما يلبي نداء الفطرة وما يحقق إرواء الغريزة من غير تبعاتِ من المضرات والأذى ومن غير تبعاتِ من ارتكاب المحرمات ، وما يلحق بها من الأضرار والأوضار والأمراض ظلمةَ في القلب وضيقاَ في الصدر وكدراَ في النفس وضلالاً في العقل ، وانحرافاً في السلوك ، وشيوعاً للجريمة ، إلى غير ذلك مما يقع من أثر انطلاق الشهوات وانفلاتها من قيد الشرع وضابط العقل وطبيعة الفطرة السليمة .

كما نرى في حياة الذين لا يؤمنون من أمم الشرق والغرب كيف أفضى بهم الحال في إتباع الشهوات إلى أن نزلوا إلى الدرك الأسفل من الحيوانية والبهيمية التي لم تستطع الحيوانات أن تلحق بهم في شأنها ، ولا أن تدرك ما أدركوه من هذا الانحدار العظيم والفتك الكبير الذي فتك بهم في الأمراض ، وفتك بهم في تقطع الأواصر والأسر ، وفتك بهم في شيوع الجريمة واختلال الأمن ، وفتك بهم في ضيق النفس وكثرة الأمراض والعلل النفسية ، بل فتك بهم حتى ذهبت عقولهم وحصل ما حصل في هذه المجتمعات .

وكثيرُ من المسلمين يريدوا أن يسيروا على تلك الخطى وكأنهم لا يرون هذا الواقع الحي وهذه التجارب المريرة وهذه النهايات الوخيمة والعواقب الوبيلة التي قد بينها لله سبحانه وتعالى في قله: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةَ ضنكا * ونحشره يوم القيامة أعمى } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت