عباد الله، يا أهل الجهاد والرباط، لقد كان سبب مرض النبي مؤامرة اليهودية حين دست له السُمّ في طعامه الذي دعته إليه، فأكل رسول الله منها، وأكل القوم فقال: (( ارفعوا أيديكم؛ فإنها أخبرتني أنها مسمومة ) )، ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرا، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن، وطفق الوجع يشتد عليه ويزيد، وهو يقول لعائشة: (( يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم ) ). والأبهر: عرق في الظهر متصل بالقلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة.
ثم أوصى الناس فقال: (( الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم ) )، كرر ذلك مرارا.
قال عبد الله بن مسعود: لما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها، فنظر إلينا، فدمعت عيناه.
وبدأ الاحتضار، فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نِعَم الله عليّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته؛ دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتدّ عليه وقلت: أليِّنه لك، فأشار برأسه أن نعم، فليّنته فاستنّ به كأحسن ما كان مستنا، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: (( لا إله إلا الله، إن للموت سكرات ) ). وما إن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: (( مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى ) )، كررها ثلاثا، ثم مالت يده ولحق بالرفيق الأعلى.
إنا لله وإنا إليه راجعون. مات الشفيق الرحيم بأمته، مات شمس الحياة وبدرها، مات الداعية الناصح، مات صاحب القلب الكبير الذي وسع المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير.
مات من كان للأيتام أبا وللأرامل عونًا وسندًا، مات مَهرَب الفقراء والمساكين وملاذ المعوزين المحتاجين، مات الإمام المجاهد، مات نبي الأمة وقدوة الخلق، مات خير البشر وأحب الخلق إلى الله، مات الذي نعمت برؤياه الأبصار وتشنفت بسماع جميل حديثه الأسماع والآذان.
إنها المصيبة العظيمة، وكل مصيبة دون مصيبتنا بموته تهون، فبموته عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وبموته انقطعت النبوات، وبموته ظهر الفساد في البر والبحر، وتذكُّر ذلك تسلية وعزاء للمصائب يقول: (( يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي ) ).
نعم أيها الناس، إن تذكُّر النبي وما حل بنا بفقده هو أعظم مصيبة.
فاصبر لكل مصيبة وتجلّد لها…واعلم بأن المرء غير مخلّد
فإذا ذكرت مصيبة ومصابها…فاذكر مصابك بالنبي محمد
عباد الله، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها المسلمون، وبلغ أبا بكر الصديق الخبر، فأقبل مسرِعا حتى دخل بيت عائشة رضي الله عنها، ورسول الله مسجّى، فكشف أبو بكر عن وجه رسول الله وأكبّ عليه، وقبّل وجهه مرارا وهو يبكي، ويقول: وانبياه، وخليلاه، واصفياه، بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متَّها.
إنا لله وإنا إليه راجعون، مات ـ والله ـ رسول الله .
فلو أن ربَّ العرش أبقاك بيننا…سعدنا ولكن أمرُه كان ماضيًا
لبيك رسول الله من كان باكيا…فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويًا
جزى الله عنا كلَّ خير محمَدا…فقد كان مهديا وقد كان هاديا
وكان رسول الله روحا ورحمة…ونورا وبرهانا من الله باديا
وكان رسول الله بالقسط قائما…وكان لما استرعاه مولاه راعيا
وكان رسول الله يدعو إلى الهدى…فلبى رسول الله لبيه داعيا
ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا قول الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] .
قال ابن عباس رضي الله عنه: والله، لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها، فيهوي إلى الأرض.
وانتشر خبر وفاة رسول الله فضجت المدينة كلها بالبكاء.
وهكذا ـ أيها الأحبة ـ طويت أعظم صفحة في تاريخ البشرية جمعاء، مات القدوة الناصح وخير البشر، مات أفضل الأنبياء، لتبقى حياته نبراسا لأبناء الأمة من بعده، تنير لهم طريق السير إلى الله، عبادته وأخلاقه، توحيده وجهاده، تعامله وزهده، أخذه وعطاؤه، بيعه وشراؤه.
وما مات رسول الهدى حتى بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أمة الإسلام، يا أمة محمد، إن حبيبكم ونبيكم محمّدا مات شهيدا قتيلا مسموما، قتلته وسمته تلك الأمة المغضوب عليها، إنهم اليهود، أهل الكذب والبهت وأهل الغدر والمكر، قتلة الأنبياء وأكلة السحت، أخبث الأمم طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وطبيعتهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرعَون لنبي حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-عظم المصيبة بوفاة النبي . 2- نعي النبي في سورة النصر. 3- ابتداء مرضه . 4- شوقه إلى لقاء ربه تعالى.
الخطبة الأولى
شهركم هذا هو شهر ربيع الأوَّل، وهو شهرٌ كما ذكرت من قبل حافلٌ بالأحداث العظام في تاريخ الإسلام، وإنَّ لنا فيه ذكرى أليمة ليس في الدنيا ذكرى أشدَّ ألمًا منها، ذلك ما حدث في مثل شهركم هذا في الثاني عشر منه منذ أربعة عشر قرنًا مضت، إنَّه حدث وفاة رسول الله .
هذه الذكرى قد سبق منِّي الاحتفاء بها في خطبة بليغة من نحو بضع سنين، وإنَّ في تكرارها وتذكارها فوائد عديدة، ليس هذا موضعَ بيانها.
أيها الناس، أنصتوا وألقوا إليَّ بأسماعكم، وحدِّقوا إليَّ بقلوبكم قبل أبصاركم، فإنِّي محدِّثكم اليوم حديثًا ليس كسائر الأحاديث، يستوجب منكم الإنصات وخشوع الأصوات.