إن الطريقَ إلى القدس, واستعادةِ الأقصى الشريف, وإعادة مسرى رسول الله r إلى حياض الإيمان, لا يكونُ بعقدِ مزيدِ من المؤتمرات العاجلة ولا الآجلة, ولا بعباراتِ الشجب والاستنكار, ولا بإرسال الوفودِ إلى العواصم الكبرى, لكسب عطفهم وتأييدهمِ..
إن الطريقَ إلى القدس لا يكونُ إلا بالعودةِ الجادةِ إلى الإسلامِ, عقيدةً, وشريعة, ومنهجَ حياة, الطريقُ إلى القدس حين تعادُ إلى القرآن هيبتُه, ومكانتُه, الطريق إلى القدس حين يعاد رفع رايات الجهاد في سبيل الله تعالى, ولا أدل على ذلك ما نراه من هذه الانتفاضة المباركة, هذه الثورة المؤمنة الربانية الجديدة, التي أعادت الروح إلى الجسد الهامد, هذه الثورة التي انطلقت من المساجد, راياتها المصاحف, وشعاراتها لا إله إلا الله والله أكبر!
إننا ننتظر لهذه الانتفاضة النصر بإذن الله (( وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ) ) [الإسراء: من الآية51] إن الذي يقاتل لا يسأل: متى هو؟ ولكن يقول: (( عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ) ) [الإسراء: من الآية51]
لقد بشرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن المعركة مستمرة مع اليهود, فقال r: (( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ , حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ, فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ , يَا عَبْدَ اللَّهِ , هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلَّا الغرقد فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) )
وإنا لهذا اليوم, ولهذه المعركة لمنتظرون, وإننا نناشد أبطال الحجارة ألا يتوقفوا عن مسيرتهم, لتطهير الأقصى من رجس يهود, فإن ما أخذ بالقوةِ لا يستردُ إلا بالقوة, فيا أبطال الحجارة مزيداً من النكاية, مزيدا من ملاحقة واستهداف جنود العدو, وقطعانه المستوطنين!
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا, ويقيناً صادقاً, وتوبةً قبلَ الموتِ, وراحةً بعد الموتِ, ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة, ولا فتنةً مضلة,
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ, واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين, يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه, إمام المتقين, وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور, وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أيَّها المسلمون:
يقولُ اللهُ تعالى في كتابه الكريم: (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) (آل عمران:164) .
ففي هذه الآية العظيمة, يمتنُ الله تعالى على عبادهِ المؤمنين, ببعثةِ أفضلِ أنبيائه, وأشرفِ رسله, الذي ما عرفتْ البشريةُ قبلَه ولن تعرفَ بعدَهُ خيراً منه, لقد بُعِثَ عليه الصلاة ُوالسلام على حين فترةٍ من الرسل, وانقطاعٍ من السبل, في وقتٍ عمَّتْ الجاهليةُ الأرضَ, وسادت الفوضَى أصقاعَ المعمورة وضَرَبَ الشركُ بجذورٍ راسخةٍْ, تهونُ عنده الجبالُ الرواسي, وعاش الناسُ خواءً روحياً, وانحداراً أخلاقياً, وساد الدنيا ظلامٌ مخيفٌ, فلم تعدْ ترى من يوحدِ الله, إلا بقايا من أهلِ الكتاب, وانتشرتْ الأصنامُ, والأوثانُ في كل مكانٍ, وأصبحَ الناسُ يصلون لها ويسجدون, ويستغيثون بها ويستنصرون ويذبحون لها وينذرون.
وبلغ السخفُ, والحماقةُ بأولئك المغفلين حداً مخيفاً مفزعاً, فكان أحدهم إذا خرج بغنيماتهِ يرعاهنَّ في الباديةِ ولم يجد صنماً أو وثناً يصلي له ويعبده, حلب مِعْزَته فوق كومةٍ من ترابٍ, وصنع تمثالاً من طين, ثم أخذ يسجدُ له ويستغيثُ به, ثم يذهبُ, ويتركهُ!
بل بلغ السخفُ ببعضهم أدهى من ذلك وأمر, فكان بعضهم يُخرِجُ من جُعبتِه تمرةً أو تمرتين, فيسجدُ لها ويركع, ثم إذا أحسَّ بالجوع, أكل تمرتَه تلك !
وصدق الله إذا يقول: (( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) )]الحجر:72[.
هذه صورٌ, تعكس الحالةَ المفجعةَ, التي كانت تعيشها تلك القطعانُ البشريةُ الضالة, في ذلك الزمان الكئيب...
حتى أذنَ اللهُ تعالى, ببعثةِ النبيِ r, ليعيدَ للبشريةِ التائهة, صوابَها وعقلَها ! فقد وجَدَ النبيُ r إنساناً فسدتْ فطرتهُ, وفَسَدَ عقلُه, وفَسَدَ ذوقُه, فصار يستحلي المرَّ ويستطيبُ الخبيث, ويستمرئ الوخيم.
ووجد مجتمعاً, أصبحَ الذئبُ فيه راعياً, والخصمُ الجائرُ قاضياً, ولا أَنكَرَ في هذا المجتمعِ من المعروف ! ولا أَعرَفَ فيه من المنكر !!
فقد عوقرتْ الخمرُ إلى حدِ الإدمان, ومورستْ الرذيلةُ إلى حدِ الاستهتار, وتُوعُطِيَ بالربا إلى حد الاغتصابِ, والاستلاب, وبولغَ في القسوةِ والظلم, حتى قُتِلَ الصبيان ووئدت البنات !!.
بُعث عليه الصلاة والسلام, والجاهليون العرب, أشبهُ بِقِطْعَانِ غَنَمٍ, ليس لهن راع, والسياسةُ كجملٍ هائج, حبلهُ على غاربه ؛ وأمامَ هذا الركامُ الهائلُ من الإرتكاسِ والانتكاس, في الفطرِ والعقول, والأحاسيسِ والمشاعر والتوجهاتِ والتصرفاتِ ؛ بدأ عليه الصلاةُ والسلام, مشَوَارَهُ العظيمِ مع الدعوةِ, بكل عزيمةٍ وثباتٍ, مستعيناً بربهِ ومولاهُ, طالباً المَدَدَ والعَوْنَ منه وحدهُ, فَصَدَعَ بالحقِ, غير هيابٍ ولاوجلٍ, وشمَّرَ عن ساعدِ الجدِ, مُقبلاً غيرَ مدبر, فلم يدعُ إلى إصلاحٍ اقتصادي, أو تكافلٍ اجتماعي, أو نظامٍ سياسي, وإن جاءت هذه القضايا تبعاً فيما بعد, وإنما ابتدأ بتصحيحِ العقيدةِ في النفوسِ, وتوحيدِ الله في العبادةِ, وتركِ عبادةِ الأصنامِ والأوثان.
وظلَّ يدعو إلى التوحيدِ, إلى لا إله إلا الله ثَلاثَ عَشْرةَ سنة, قبل أن يُأمرَ بالصلاةِ, والزكاةِ, والصوم, والحج, وقبل أن يُأمرَ بتركِ المحرماتِ, من الربا والزنا وشُربِ الخمرِ..