فهرس الكتاب

الصفحة 9049 من 9994

فيا أيها المؤمنون اعلموا أنه لا غنى بأحد من الخلق عن التوكل على الله تعالى في حصول مطلوبة وإصابة مقصوده ويشهد لذلك أن التوكل يقع من المؤمنين والكفار ومن الأبرار والفجار بل و من الطير والوحش والبهائم، فأهل السماوات والأرض جميعهم محتاجون إلى التوكل على الله تعالى في تحصيل مراداتهم وتحقق مبتغياتهم على اختلافها وتنوعها.

أيها المؤمنون إن كثيراً من الناس لا يفهمون من التوكل على الله إلا التوكل عليه في تحصيل رزق أو عافية أو زوجة أو ولد أو غير ذلك من جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع الشرور والمصائب الدنيوية ولا شك أن هذا مما يجب على العباد أن يعلقوا قلوبهم فيه على الله تعالى فإنه لا يأتي بالخير إلا هو ولا يدفع الشر إلا هو سبحانه ولا يكفي العبد أن يتوكل على الله بلسانه وقلبه قد انجفل إلى المخلوقين واشتغل بالأسباب عن مسببها بل لابد من ركون القلب إلى الله تعالى واعتماده عليه وسكونه إليه.

وفوق هذه المرتبة من التوكل مرتبة أخرى خصّ الله بها أولياءه المتقين وحزبه المفلحين وهي التوكل عليه في الإيمان به وفي نصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي حصول محابه والقيام بأوامره فهذه المرتبة هي من أخص مقامات المؤمنين قال الله تعالى في بيان موقف رسله وأوليائه من كيد أعدائه وتهديداتهم: ?وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا? (12) وقال الخليل حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل وقالها محمد وأصحابه عندما قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فعلى أتباعهم من طلبة العلم وحملة الرسالة وأهل الدعوة والصحوة أن يسلكوا سبيلهم وأن يحذوا حذوهم في التوكل على من بيده ملكوت كل شيء في نصر دين الله وإعزاز جنده وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه بعد أخذهم بالأسباب من العلم والتعليم والبذل والدعوة والنصح للخلق والصبر على ذلك.

فما لنا يا ورثة الأنبياء ويا حملة الرسالة ويا دعاة الحق أن لا نتوكل على الله ونحن نأوي إلى ركن شديد ونعتصم بحبل متين فقوموا بارك الله فيكم بما افترضه الله عليكم من نصرة دينكم والدعوة إليه والصبر عليه وتوكلوا على الله تعالى في تحقيق آمالكم ولا يروعنكم تكالبُ أعدائكم ولا توالي كيدهم ولا تماديهم في غيهم فإن عاقبتهم الفشلُ في الدنيا والآخرة فإن الله لا يصلح عمل المفسدين كما قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ? (13) .

فراغموا أعداء الله ورسوله و اصدعوا بالحق وانصحوا للخلق فإن الغلبة والظهور والعزة والتمكين لأولياء الله تعالى ولأتباع رسله ?كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ? (14) ومن صدق توكله على الله تعالى في نصر دينه وإعلاء كلمته كفاه الله ما أهمه وأعانه على أمور دينه ودنياه.

جعلنا الله وإياكم من أوليائه المتوكلين عليه الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله.

(1) البخاري (52) ، ومسلم (1599) .

(2) سورة: المائدة: آية (23)

(3) سورة: آل عمران: آية (122)

(4) سورة: لأنفال: آية (2)

(5) سورة: النساء: آية (81)

(6) سورة: الفاتحة: آية (5)

(7) سورة: الطلاق: آية (3)

(8) أخرجه: أحمد (205) ،و الترمذي (2344) ، وابن ماجه (4164) كلهم من طريق عبدالله بن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني عن عمر . قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وصححه الألباني .

(9) سورة: آل عمران: آية (173ـ 174)

(10) البخاري (5752) ، ومسلم (218) .

(11) سورة:آل عمران: آية (159)

(12) سورة: إبراهيم: آية (12)

(13) سورة: لأنفال:آية (36)

(14) سورة: المجادلة:آية (21)

عبد الله بن صالح القصير

الرياض

جامع الأمير متعب

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-أمر المسلم بالأخذ بأسباب القوة 2- الأمر بالتداوي 3- ضرورة مداواة قسوة القلب وصدأه 4- الأمر الشرعي بالعمل والسعي في الدنيا والكسب 5- التحذير من التواكل والكسل في العمل وطلب الرزق 6- احتجاج بعض العصاة بقدر الله على معايبهم وذنوبهم 7- الاعتماد على الأسباب 8- ترك الأسباب والتواكل

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس! اتقوا ربكم، وأخلصوا له دينكم، واشتغلوا فيما ينفعكم في دنياكم وآخرتكم، ولا تعطلوا فرائض الله، ولا تهتكوا محارم الله، ولا تحتالوا على الله بل اعبدوه واشكروه واذكروه، وخذوا حذركم.

عباد الله: ثبت في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عن أن النبي قال: (( المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ).

فهذا الحديث يا عباد الله من جوامع الكلم ومهمات الحكم؛ فهو بمثابة الموعظة الفصيحة والنصيحة الصحيحة من أنصح الخلق لأهل الحق محمد عبد الله ورسوله، أرشد فيه خاصة أهل الإيمان وعامة بني الإنسان إلى ما يصلح أمر معاشهم ومعادهم. أخبر فيه أن القوة في سبيل الحق والعدل، كما أنها محبوبة طبعاً فهي مطلوبة شرعاً، وهي شاملة للقوة في أمر الدين وأمور الدنيا، لكون القوي يقوم بأعماله بجد وعزم ويستكمل ما استطاع من أسباب الحزم، ولذا قال: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله… ) ).

فتلك كلمات من أجمع الكلمات وأبلغ العظات ،فيها إرشاد للعاقل أن يحرص على ما ينفعه في أمر دينه ودنياه وحياته وأخراه، فمتى احتاج إلى علاج لمرض في بدنه يغلب على الظن أنه يزيل ضرره ويدفع خطره، بادر إلى الأخذ به كما جاء عنه قوله: (( ما نزل من داء إلا وله دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، فتداووا يا عباد الله، ولا تتداووا بحرام ) )، فيأخذ بالدواء الكريه المرِّ يرجوا الله أن يكشف به الضر.

وكما يحرص العاقل على علاج بدنه، فالمؤمن يحرص على علاج قلبه من سقمه وقطع أسباب درنه؛ فيداري قسوته بتلاوة كلام الله، والإكثار من ذكره، والتفكر في آلائه، ومجالسة من يذكره به، ويعينه على طاعته؛ فإن قسوة القلوب من صدأ وران الذنوب، فإذا لم تعالج صارت بعيدة من الله محجوبة عنه، وما عُذِّب معذَّب بأشد من الحجاب عن الله، مع أن القلوب القاسية التي لم تعالج قساوتها بما يلينها وينير بصيرتها متوعدة بالنار المؤصدة، التي تطلع على الأفئدة، فصدأ القلوب إذا لم يجل بذكر الله عرضة لأن يجلى بلهب نار جهنم التي تذيب الحجارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت