فهرس الكتاب

الصفحة 9050 من 9994

أيها المسلمون: وأعظم ما ينفع وينبغي الحرص عليه والقوة فيه أداء الفرائض؛ فإن سعادة الحياة والممات في الأعمال الصالحات التي تصلح القلوب وتقي الدنوب، وتدفع بها العقوبات عن الأفراد والشعوب وتقي الذنوب، وهي أسباب كثرة الخيرات وحلول البركات، وحفظ النعم وضمان استقرارها وزيادتها في سائر الأوقات، يقول سبحانه: من عمل صالحاً من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [سورة النحل:97] ، ويقول سبحانه: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون [سورة الأعراف:96] . ومن دعاء النبي قوله: (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وآخرتي التي إليها معادي ) ).

وقد مدح الله الذين يقولون: ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [سورة البقرة:201] . وأثنى على الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، ويسر الأحكام وعظم الأجور للذين يأخذون بأسباب الرزق الحلال، ويتقون ربهم في سائر الأحوال، ويواسون عباد الله بفضل ما عندهم من النوال.

فينبغي للعبد أن يتحرى القوة في كل عمل يزاوله من أعمال الدنيا والآخرة، ومما يدخل في ذلك تحري أفضل العلم وأداؤه على الوجه الأحسن والأكمل، والإخلاص فيه، وسلامته، من الغش والزلل.

أيها المسلمون: وأضر ما ابتلي به بعض العجز والكسل عن طلب الرزق والتماس الحق. فينبغي للعاقل الحرص على تحصيل ما يعود عليه نفعه، والسعي في صد ما يضره ودفعه، وأن يحذر العجز؛ فإن نتيجته الحرمان، ومن أهان بذلك نفسه فهو حري أن يهان، ولكن بعض الناس يجعلون عجزهم توكلاً، وفجورهم قضاء وقدراً، فتجد من هؤلاء من يطعن في الأسباب أو يعرض عن الأخذ بها، شأن أهل الشك والارتياب، والطعن في الأسباب قدح في الشرع، وتعطيلها مع العلم بنفعها نقص في العقل.

ومن هؤلاء من يترك عبادة ربه ويحتج بالقدر ويجادل، وهو من العقوبة على خطر، فإذا نصحت أحدهم عن التخلف عن الصلوات أو اقتراف بعض المنكرات اعتذر إليك بقوله: هذا مكتوب عليَّ، أو هذا قضاء وقدر، فهو عند الطاعات قدري وعند الشهوات جبري، وهذا نظير ما حكى الله عن المشركين بقوله: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [سورة النحل:35] .

أما أهل الإيمان فإنهم يأخذون بكل عمل صالح، ويتوبون إلى الله من القبائح، ويؤمنون بالقضاء والقدر، ويعالجون القدر بالقدر، فيدافعون قدر المرض بقدر الدواء، كما يدافعون قدر الظمأ بقدر الشرب، وقدر الجوع بقدر الشبع، وهكذا يدافعون قدر الهوى بقدر التقوى، وقدر الكسل بقدر العمل، وقدر الجهل بقدر العلم، وهكذا.

فأولوا النهى يأخذون أمورهم بالحذر والحزم وفعل أولي العزم، ومتى غلبهم ما لا يطيقون دفعه ولا رفعه قالوا: قدر الله وما شاء فعل؛ ليسلوا بذلك أنفسهم، ويبرأوا من القوة والحول إلا بالله ذي الطول. فإن العمل بالأسباب محله الأعضاء على رب الأرباب، قال تعالى: فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون [سورة العنكبوت:17] . وقال سبحانه: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور [سورة الملك:15] .

فالاعتماد على الأسباب نقص في الإيمان بالله، وتعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله؛ فإن التوكل إنما يكون من الأخذ بالأسباب وهو أقواها وأعظمها أثراً، وإن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل. وقد سئل النبي عما يتقى به المرض من حمية وعلاج هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال: (( هي من قدر الله ) ). وروي عنه أنه قال: (( بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ) )، وروي عنه قوله: (( حصِّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستعينوا على حمل البلاء بالدعاء والتضرع ) )، وأخبر أن الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض حتى يدفع الدعاء البلاء.

فاتقوا الله عباد الله، وحققوا التوكل بصالح النية وصادق العمل وكمال الثقة بالله عز وجل وتعاطي الأسباب المشروعة، وهجر الوسائل الممنوعة؛ خذوا ما حل ودعوا ما حرم، واجتهدوا في صالح العمل، وتوبوا من التقصير والزلل، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [سورة النور:52] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والمسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

عبد المحسن بن محمد القاسم

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-حاجة المرء إلى ربه. 2- فضل التوكل وعظمه. 3- الرسل أئمة المتوكلين. 4- الرزق وعلاقته بالتوكل. 5- قواعد في التوكل. 6- نماذج من توكل الأنبياء عليهم السلام. 7- واجب المسلم نحو المصائب والفتن. 8- أصناف الناس في التوكل.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى، فمن اتقى ربه علا، ومن أعرض عنه فله معيشة ضنكا.

أيها المسلمون، أسعد الخلق أعظمهم عبودية لله, وكل ما كان العبد أذل لله وأعظم افتقاراً إليه كان أقرب إليه وأعظم قدراً عنده وعند خلقه، والعبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، محتاجٌ إلى الاستعانة بخالقه، والله سبحانه هو الصمد الغني عما سواه, وكل ما سواه فقيرٌ إليه.

وذنوب العباد كثيرة ولا نجاة لهم منها إلا بمعونة الله وعفوه، وكثير من الكبائر القلبية من الرياء والكفر والحسد وترك التوكل قد يقع فيها المرء وهو لا يشعر بها، وقد يتورع عن بعض الصغائر الظاهرة وهو في غفلة عن هذه العظائم.

والأسباب المجردة تخذل المرء عن تحقيق مناه، وقد يطرق باباً يظن أن فيه نفعه فإذا هو ضرر محض، ولا ينجي من ذلك إلا التوكل على العزيز الرحيم؛ لذا عظم الله من شأن التوكل وجعله منزلة من منازل الدين, وقرنه بالعبادة في قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] ، وجعله سبباً لنيل محبته إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكّلِينَ [آل عمران:159] ، وجعله شرطاً لحصول الإيمان به وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة:29] .

مقام جليل القدر عظيم الأثر، فريضة من رب العالمين، به رضا الرحمن, وفيه منعة من الشيطان، منزلته أوسع المنازل وأجمعها، أقوى السبل عند الله وأحبها، أمر الله به رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [الأحزاب:3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت