فهرس الكتاب

الصفحة 9051 من 9994

والرسل أئمة المتوكلين وقدوتهم، قال تعالى عن نوحٍ عليه السلام أنه قال لقومه: إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ [يونس:71] ، وقال الخليل عليه السلام: رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة:4] ، وقال هودٌ عليه السلام: إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبّى وَرَبّكُمْ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56] ، وقال يعقوب عليه السلام: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ [يوسف:67] ، وقال شعيبٌ عليه السلام: وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] ، وقال رسل الله لأقوامهم: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم:12] ، وقال مؤمن آل فرعون: وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44] .

وفي مطلع النبوة والتنزيل أمرٌ بالتوكل وأنه يفتح المغلق اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:3] ، وجعله الله صفة لأهل الإيمان يتميزون به عمن سواهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] .

والشيطان لا سلطان له على عباد الله المتوكلين, قال عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:99] .

والتوكل مانعٌ من عذاب الله كما قال سبحانه: قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَانُ ءامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك:28، 29] .

وموجب لدخول الجنات كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت:58، 59] .

بل المتوكلون حقاً يدخلون جنة ربهم بغير حساب, كما وصفهم نبيهم بذلك في قوله: (( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) )متفق عليه (1) [1] .

وأوصى النبي ابن عباس بالتوكل وهو غلام صغير لتأصيل العقيدة في نفسه في بكور حياته فقال له: (( يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) )رواه الترمذي (2) [2] .

قال ابن القيم:"التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام، وإن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس".

في التوكل راحة البال, واستقرارٌ في الحال، ودفع كيد الأشرار، ومن أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم, وبه قطع الطمع عما في أيدي الناس.

سئل الإمام أحمد عن التوكل فقال:"هو قطع الاستشراف باليأس من الناس".

والتوكل على غير الله ظلم وامتهانٌ للنفس، وسؤال المخلوق للمخلوق سؤال من الفقير للفقير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) )رواه الترمذي.

ومتى التفت القلب إلى غير الله وكله الله إلى من التفت إليه، وصار ذليلاً مخذولاً، قال: (( من تعلّق شيئاً وكل إليه ) )رواه الترمذي (3) [3] .

قال شيخ الإسلام:"ما رجى أحداً مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه" (4) [4] , وكل من أحب شيئاً لغير الله فلا بد أن يضره, وهذا معلوم بالاعتبار والاستقراء، ولا يحملنك عدم رجاء المخلوق على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال الأذى منهم, بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم, وكما أنك لا تخافهم فلا ترجوهم وارجو الله في الناس, ولا ترجوا الناس في الله.

أيها المسلمون، الأرزاق بيد الخلاّق فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان لغيرك لم تنله بقوتك، ورزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كراهية كاره، والرزق مقسوم لكل أحد من برٍ وفاجر ومؤمنٍ وكافر، قال عز وجل: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] . والرزق يساق إلى الدواب مع ضعف كثيرٍ منها وعجزها عن السعي في طلب الرزق، قال جل وعلا: وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60] ، وقد ييسره الله لك بكسب وبغير كسب.

والناس يؤتون من قلة تحقيق التوكل, ومن وقوفهم مع الأسباب الظاهرة لقلوبهم ومساكنتهم لها، ولو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب, كما يسوق للطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير، قال عليه الصلاة والسلام: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ) )رواه أحمد (5) [5] .

فلا تضيع زمانك بهمك بما ضُمن لك من الرزق، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً، قال حام الأصم:"لما علمت أن رزقي لم يأكله غيري أطمئن قلبي".

أيها المسلمون، وقّت الله للأمور أقدارها وهيئ للغايات أسبابها، والأمور الدنيا وزينتها قد يدرك منها المتواني ما يفوت المسافر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم.

والالتفات للأسباب نقص في التوحيد, ومحو الأسبابِ أن تكون أسباب نقص في العقيدة، والإعراض عن الأسباب التي أمر بها قدح في الشرع، وعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله لا على الأسباب.

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكمل المتوكلين، ولم يخل بالأسباب فقد ظاهر بين درعين يوم أحد، واستأجر دليلاً يدله على طريق الهجرة، وحفر الخندق غزوة الأحزاب.

وحقيقة التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب, واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منع اقتضاءها, وإن شاء جعلها مقتضية بضد أحكامها, وإن شاء قام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه.

والموحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب ولا يرجوها، كما أنه لا يهملها أو يبطلها بكل يكون قائماً بها ناظراً إلى مسببها سبحانه ومجرِيها، وإذا قوى التوكل وعظم الرجاء أذن الله بالفرج، ترك الخليل زوجته هاجر وابنها إسماعيل صغيراً رضيعاً بوادٍ لا حشيش فيه ولا أنيس ولا زرع حوله ولا ضرع توكلاً على الله وامتثالاً لأمره، فأحاطهما الله بعنايته، فإذا الصغيرُ يكون نبياً وصفه الله بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والأمر بها، والماء المبارك زمزم ثمرة من ثمار توكل الخليل عليه السلام.

ولما عظم البلاء ببني إسرائيل وتبعهم فرعون بجنوده, وأحاطوا بهم, وكان البحر أمامهم قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] , قال نبي الله موسى الواثق بنصر الله: كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] , فأمره الله بضرب البحر فصار طريقاً يبساً, كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ٍالشعراء:63] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت