( سلمان بن يحي المالكي )
الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد. سورة يوسف من أبرز السور التي تتجلى فيها الفتن التي تحدث للمسلم، بأنواعها وأشكالها وفيها يتضح اليسر بعد العسر في كل فتنة يصادفها الداعية، إن الانفراج بعد الشدة يسبقه ثبات على المنهج، وقد يكون هو الهدية لذلك الثبات، وقد يكون الانفراج بحد ذاته فتنة أخرى يختبر الله بها ثبات عبده في اليسر، فكم من المسلمين من ثبت حين المحنة والشدة فلما جاء اليسر والانفراج والرخاء حاد عن الجادة، وابتعد عن الصف، هذه المعاني وكثير غيرها يجدها قارئ القرآن من خلال سورة يوسف، فهي سورة تمثل منهج البلاء، ونتيجة هذا البلاء، وسأعرض إلى شيء يسير مما بلي وفُتن به نبينا يوسف عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام.
الفتنة الأولى: مؤامرة الاغتيال:
وكانت من صنع أقرب الناس إليه، وهم إخوانه، مما يجعل لهذا البلاء مذاقًا مرًا يختلف عن باقي مؤامرات الاغتيال والتي عادة تكون من أعداء بعيدين بالنسب، أما أن يكون صاحب المؤامرة هو الأخ الذي خرج معه من صلب واحد فهذا ما يزيد من قساوة الفتنة، خاصة إذا كان سبب القتل سببًا تافهًا كالذي ذكره إخوة يوسف وهم يناقشون أمر اغتياله { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ } الآيات: 8-9، إذًا: كان سبب المؤامرة حب أبيهم ليوسف وتفضيله عليهم بادعائهم، ولننظر كيف يكون تفكير من استولى عليه الشيطان حتى أعمى بصيرته عن رؤية البديهيات من الأمور، لقد غاب عن أذهانهم الاحتمالات الأخرى الناتجة عن الجريمة، وتذكروا كما سول لهم الشيطان احتمالًا واحدًا، وهو بقاؤهم بعد يوسف ليكونوا هم الخيار الوحيد والأبناء الوحيدين ليعقوب، ولم يضعوا بالحسبان احتمال اكتشاف جريمتهم، وحزن يعقوب عليه السلام على يوسف، وشكه بهم، وخطأهم بالتنفيذ، واحتمال بقائه حيًا وإرجاعه لأبيه، وغيرها من الاحتمالات الواردة، ونلاحظ لطف القدير بيوسف، بأن أنطق أحدهم لتمضي مشيئته بأن يكون اقتراح أحدهم بمثابة الانفراج الأول للفتنة الأولى { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } الآية: 10، هذا الاقتراح، ومضوا جميعًا بعد حبك المؤامرة لأبيهم، ليقنعوه بأخذ يوسف للذهاب معهم في رحلتهم، وبالرغم من تردد يعقوب عليه السلام إلا أنهم أقنعوه بأخذه معهم، ومضوا به ليبدأ يوسف عليه السلام في الجب فتنة ثانية.
الفتنة الثانية: الإلقاء في الجب:
ومما يزيد في حجم هذه الفتنة رؤية يوسف عليه السلام لإخوانه وهو الغلام الصغير وهم يمسكونه ويتعاونون جميعًا لإنزاله في الجب، ثم يراهم وهم يغادرون ليتركوه وحيدًا في تلك الصحراء ليمكث في ظلام الجب، وكأن ذلك تهييئًا له للسجن الحقيقي الذي في مراحل الفتن المتلاحقة في حياته، ثم يأتي الفرج بعد تلك الشدة وذلك الصبر ليوسف عليه السلام وهو يعاني الوحدة القاتلة في ذلك الجب على شكل قافلة تمر؛ فتلقطه من الجب: { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } الآية: 19، لقد أُخرج من الجب، ليرى الدنيا مرة ثانية، ولكن هذا الخروج كان بداية لفتنة جديدة في حياته.
الفتنة الثالثة: الاستعباد:
يلتقطه هؤلاء السيارة من الجب، يُعجبون بجماله، وأسرعوا في بيعه عبدًا بسعر زهيد في مصر { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( ) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ...} الآية: 20-21، ينتقل يوسف عليه السلام من الحرية التي كان يعيشها مع والديه بعز وتقدير، التي حسده عليه إخوانه، إلى ذل العبودية والاستعباد في قصر عزيز مصر، شأنه شأن العبيد المملوكين يحمل الأثقال لسيده، ويقضي الحاجات الحقيرة، ويؤمر فيطيع وهذه الفتنة بحد ذاتها تحتاج إلى صبر، وحسب العبد أن يشعر أنه ليس كباقي البشر، ولا يعامل معاملة البشر، بل يعامل معاملة أقرب للحيوان منها للبشر في معظم الأحيان.
الفتنة الرابعة فتنة النساء:
يوسف عليه السلام كان صارخ الجمال، فُتنت بجماله امرأة العزيز مع فارق السن الكبير بينهما، ولم تستطع أن تكتم عشقها وتعلقها، وهي السيدة وهو العبد حتى أقدمت بعد أن بلغت شهوتها الذروة إليه وقالت { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ...} الآية: 23، بعد أن غلقت الأبواب، وتأكدت من خلو القصر فقال: {...مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } الآية: 23، ولنا مع هذه الفتنة وقفات:
الوقفة الأولى: إن المرأة لا تقول هذه الكلمة للرجل حتى تكون قد استعدت لذلك بل ما أوتيت من دهاء الجاذبية وفعلت كل ما من شأنه جذب من تريد إليها.. فقد تكون قد تعرت تمامًا، أو كشفت الكثير من مفاتنها في أقل التقديرات، أو كشفت ما يثير شهوة الرجال، ووضعت الأصباغ على وجهها، والعطور على جسدها إلى غير ذلك.
الوقفة الثانية: إن فتنة النساء التي فتن بها يوسف عليه السلام هي من أعظم الفتن التي واجهها في حياته، وحتى نعرف عظم هذه الفتنة لابد أن نعرف ما هي العوامل التي تدفع الرجال للزنا بالنساء، لا شك أنها كثيرة، وكثيرًا من الأحيان يكون توفر عامل واحد منها كافيًا لحدوث الزنا، فكيف إن تجمعت جميعها في موقف يوسف مع امرأة العزيز؟! ومن إن من أبرز هذه العوامل:
أولا: جمال الرجل الذي يدعوه إلى التقرب للنساء غرورًا بجماله، غير ذلك القبيح الذي يعلم سلفًا أنه غير مرغوب فيه.
ثانيا: طلب المرأة لذلك، وهو من أقوى العوامل، ويكون هذا العامل أقوى عندما يكون طلبها لحبها لقضاء الشهوة مع ذلك الرجل، وليس للمال، أو لأمر آخر، وهو ما حدث ليوسف عليه السلام.
ثالثا: غربة الرجل، فالغريب لا يعرفه أحد، مما يسهل القيام بعملية الزنا بعيدًا عن رقابة المعارف، حتى لو فضح لما كانت فضيحة أشد عليه من فضيحته بين أقاربه.
رابعا: العبودية، والعبد رهن لأمر سيده، لا يستطيع ردها ؛ لأن من عمله الطاعة دون تردد ؛ لأنه لا يملك قرار نفسه.
خامسا: الفتوة والشباب، فيوسف كان شابًا صغيرًا، بخلاف الكبير بالسن الذي انقطعت شهوته، أو كادت أن تنقطع.
سادسا: تهيؤ المرأة للزنا، وهذا يختلف عن طلبها للزنا وهو يعني أنها وضعت وفعلت كل المغريات التي تغري الرجل بالمرأة { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ... } الاية:23.
سابعا: إغلاق الأبواب، وهذا أدعى للأمان لفعل الفاحشة، وبعيدًا عن رقابة عمال القصر، أو الأقرباء لهذه المرأة { وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ...} الاية:23.
ثامنا: المنصب، فامرأة العزيز كانت زوجة رئيس الوزراء في عهد الفراعنة، ومنصبها يجعلها قادرة على إخفاء الجريمة، حتى وإن انكشف أمرها، وهذا عامل أمانٍ آخر يغري الرجل بالإقدام.