#هادم البيوت الطلاق ... ... ...
سعود الشريم ... ... ...
.ملخص الخطبة ... ... ...
1-كلمة الطلاق وتعظيم شأنها وأثرها. 2- تكدر المعيشة بين الزوجين فرع عن الثأرة والأنانية. 3- الزواج من ذات يذلل سبل حل المشكلات والمنازعات. 4- تربية الإسلام للزوجة على محبة وطاعة زوجها. 5- الحياة الزوجية لن تخلوا بحال من كدر. 6- دور الإعلام في إفساد الحياة الاجتماعية. 7- قوامة الرجل وحقوق المرأة. 8- أسباب لكثرة الطلاق. 9- نماذج من نساء السلف اللاتي أحسن التبعل لأزواجهن. 10 وصية الله ورسوله بالنساء. ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
أما بعد:
فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، اتقوه حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واحذروا المعاصي، فإن أقدامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
عباد الله، يحكي واقع كثير من الناس اليوم، صوراً شتى من اللامبالاة، بقيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء، لا يلقي لها بالا، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك،
أن النار بالعيدان تذكى وأن الحرب مبدأها كلام.
أيها الناس، أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تكون معولا صُلبا، يهدم به صرح أسر وبيوتات؟ أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها من سعادة وهناء، إلى محنة وشقاء؟ أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تحرك أفرادا وجماعات، وتنشئ تزلفا وشفاعات، لرأب ما صدعت وجمع ما فرقت؟ أتدرون أي كلمة هذه؟
إنها كلمة أبكت عيونا، وأجهشت قلوبا، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم، لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحا والبسمة غصة، إنها كلمة الطلاق، إنها كلمة الطلاق، وما أدراك ما الطلاق؟! كلمة الوداع والفراق، والنزاع والشقاق، فلله كم هدمت من بيوت للمسلمين! وكم قطعت من أواصر للأرحام والمحبين! يالها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة، يوم تسمع المرأة طلاقها، فتكفكف دموعها، وتودع زوجها! يالها من لحظة تجف فيها المآقي، حين تقف المرأة على باب دارها، لتلقي النظرات الأخيرة، نظرات الوداع على عش الزوجية، المليء بالأيام والذكريات! يا لها من لحظة عصيبة، حين تقتلع السعادة أطنابها، من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك!
عباد الله، العِشرة الزوجية ضرب خاص من المحبة في النفس، ليس له في أنواعه ضريب، فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران، فيكون كل منهما متمما لوجود الآخر، ينتجان بالتقائهما بشرا مثلهما وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْواجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72] .
إن اختلال العشرة بين الزوجين، يذكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم [1] أوارها [2] ، ولو أحب الأزواج أنفسهم حبا صادقا، وسكن بعضهم إلى بعض، لود كل منها الآخر، وود لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة العشيرة للأمة المؤلفة من العشائر، المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف، هو الذي يتكون من مزاج الأمة، فما يكون عليه من اعتدال وكمال، يكون كمالا في بنية الأمة واعتدالا، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال، يكون مرضا للأمة، يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، قال رسول الله: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ) [أخرجه الترمذي بإسناد صحيح] [3] .
عباد الله، لقد قال المصطفى في الحديث المشهور: (( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ) [متفق عليه] [4] .
هذه هي الزوجة التي يحث الشارع على تحصيلها والرضا بها، ويدعو على من أراد غيرها، وزهد فيها ورغب عنها. ومن المعلوم بداهة؛ أنه لا يرغب في الظفر بذات الدين، إلا من كان قلبه معلقا بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله، فلا غرو أن يرزق المودة بينه وبين زوجه؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة، وعلى العكس من ذلك، المشاكلة في الصفات الرديئة، والسجايا الدنيئة، فهي لا تثمر محبة، ولا تورث توددا.
قال رسول الله: (( خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ) ) [رواه مسلم] [5] .
إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته، فمهما اختلفا وتدابرا، وتعقدت أنفسهما، فإن كل عقدة من العقد لا تجيء إلا ومعها طريقة حلها ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة، والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات، وارتفاعها فوق ما تكون به منحطة أو وضيعة.