فهرس الكتاب

الصفحة 4664 من 9994

#خبرة المواجهة بين الحركات الإسلامية والحكومات

مصرنموذجا ... ...

كمال السعيد حبيب * ... ... ... ...

الدول التي جاءت للعالم العربي والإسلامي عقب نهاية الاستعمار، والتي تعرف في العلوم الاجتماعية والسياسية بأنها دول ما بعد الاستعمار-post colonalism- مثلت قطيعة كبيرة في مرجعيتها العلمانية مع المرجعية التاريخية للأمة الإسلامية، والتي كانت الشريعة الإسلامية هي مصدرها، وأدى هذا -في الواقع- لبروز حركات اجتماعية إسلامية تدعو للعودة للمرجعية الإسلامية، وكانت حركة الإخوان المسلمين هي الأقدم في الدعوة للعودة إلى الإسلام كنظام يحكم الحياة والواقع، وشعرت النظم أن هذه الحركات تنازعها شرعيتها، ومن هنا كانت المواجهة العاتية التي حدثت بين الدولة وبين الحركات الإسلامية، والتي قادت لقطيعة كبيرة بين الطرفين، وفي الخبرة المصرية أدى عنف النظام الناصري في مواجهته مع حركة الإخوان المسلمين إلى تطور داخل الحركة الإسلامية ذاتها، جعلها أكثر عنفاً في موقفها من النظام السياسي الناصري، فبينما كان الشيخ حسن البنا -مرشد حركة الإخوان- يتحدث عن طرائق للإصلاح من داخل النظم السياسية ذاتها، فإذا بالشيخ سيد قطب من بعده يعتبر أن النظام الناصري نظام جاهلي، وأن الحديث عن إصلاح من داخله هو استنبات للبذور في الهواء، وأنه لا بد من تغيير النظام تغييراً جذرياً، باعتباره ينازع الله أخص خصوصياته وهو حق التشريع .

لقد مثل التعذيب الوحشي -الذي كان جديداً على تقاليد الحياة السياسية المصرية، كما مثل الإعدام لشخصيات كبيرة في عام 1954م- مشكلة كبيرة في فكر سيد قطب خاصة، وأن كاتباً غربياً اسمه (جورج كيرك) كتب كتاباً عن الشرق الأوسط تحدث فيه عن مواقف مهادنة للنظام الناصري مع الغرب بما في ذلك اليهود، وهنا جرى طرح السؤال عن شرعية النظام الناصري باعتباره نظاماً غير إسلامي .

الأفكار الإسلامية في السبعينات

وفي الواقع أدى فكر سيد قطب الجديد إلى هزة كبيرة داخل الإخوان، حيث اضطرت الجماعة إلى التبرؤ منه، وكتابة الكتاب المعروف باسم (دعاة لا قضاة) ، لكن على الجانب الآخر جرت قراءة خاطئة لفكر سيد قطب من شكري مصطفي الذي أسس لفكر التكفير، والذي مزج فيه بين أفكار سيد قطب وأفكار الخوارج خاصة الأزارقة، واستلهمت الحركات الإسلامية الجهادية -التي ظهرت في مصر أوائل السبعينات- فكر سيد قطب في ضرورة تغيير النظم الحاكمة التي لا تستلهم مرجعيتها من الشريعة الإسلامية .

العنف الذي مارسته دولة ما بعد الاستعمار -خاصة في نسختها العسكرية الوحشية في مواجهة الحركات الإسلامية، وعنفها في تبني القيم الغربية والتنكر للتقاليد الإسلامية- هو الذي قاد إلى التساؤل حول شرعيتها من جانب التيارات الفكرية الإسلامية التي ظهرت في مصر في فترة السبعينات، وكما هو معلوم فإن فكر جماعة التكفير لم يقدر له الاستمرار والصمود، بل كان كموضة خاطفة ظهرت ثم ذوت بسرعة؛ لأن فكر التكفير يحمل في طياته بذور فنائه .

وبينما كان الإخوان قد حسموا موقفهم من المواجهة مع النظم السياسية -مستفيدين من الخبرة القاسية التي تعرضوا لها- كان الشباب الجديد في الجامعات -والذي يزاوج بين الفكر السلفي والجهادي- مدفوعاً في هذا بقلة خبرته من ناحية، وبعواطفه من ناحية أخرى إلى التمهيد لمواجهة مع نظام السادات، وذلك لينجز ما اعتبره عبئاً تاريخياً للاقتصاص من دولة الحداثة الغربية التي نكلت بالحركة الإسلامية، والتي بالغت في الاندماج في تقاليد الغرب والولاء له، ثم التي مدت يدها لليهود الأعداء التقليديين والتاريخيين للمسلمين .

ولم تقدر الدولة المصرية أن الأولاد الصغار قادرون على منازلتها ومغافلتها بتوجيه ضربة لرأس نظامها السياسي، وهو ما جعل (جيلز كيبل) يتحدث عن قتل الفرعون.

التسعينات والمواجهة الكبيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت