فهرس الكتاب

الصفحة 4665 من 9994

مثلت الثمانينات سنوات للهدوء بين النظام السياسي الجديد، وبين الحركة الإسلامية التي كانت تسعى لتأمل وتقييم ما حدث، وكانت هناك أسباب عديدة وممكنة لتجنب المواجهة التي جاءت في عقد التسعينات، والتي كانت مواجهة وحشية لم تعرفها مصر طوال تاريخها -ربما منذ عصر الفراعنة- لكن أوهام لدى الحركة الإسلامية الجهادية قادتها لإمكان تحقيق الحسم العسكري مع النظام المصري عبر القوة العسكرية، والذي دفعها لذلك -في تقديرنا- هو انفتاح الجبهة الأفغانية في هذا التوقيت، حيث شهدت هذه الجبهة امتلاك الحركات الجهادية لخبرات مذهلة، كما أن الحركات الجهادية اعتبرت أفغانستان أرضاً إسلامية محررة يمكن أن تكون منطلقاً للتغيير، وعرف عقد التسعينات مواجهة مفتوحة ذات طابع مصيري بين الدولة والحركات الجهادية، فالحركات الجهادية نفَّذت عمليات ذات طابع مروع، والدولة بدأت تستجمع أدوات القمع وتستكمل أدوات المواجهة، وعرفنا سياسة تجفيف المنابع والهجوم على الدعوة وحصارها، وتغيير مناهج التعليم الديني، وشن حملات إعلامية مروعة، وانتفض العلمانيون ليصطادوا في الماء العكر، وبدت الدعوة كما لو كانت رهينة المعركة بين الطرفين، ولم يكن ممكناً أن تكون الدعوة الإسلامية بين طوائف الأمة في المجتمع المصري بمنأى عن هذه المواجهة .

وبدت عمليات العنف الوحشية بلا مقصد ولا هدف، وكانت دورة عنف عشوائية تتنافى والمقاصد الشرعية للدين الإسلامي الحنيف.

ومن هنا كانت مبادرة وقف العنف التي دشنتها الجماعة الإسلامية، والتي كانت الفصيل الأهم في المواجهة مع النظام المصري، ثم قرار وقف جميع العمليات العسكرية بما يشبه الإجماع بين قادتها، كما أن تنظيم الجهاد المصري كان قد قرر أن يوقف عملياته العسكرية عام 1995 بعد النتائج الكارثية التي قادت إليها محاولة قتل رئيس الوزراء المصري- في هذا الوقت- عاطف صدقي .

المراجعات الفكرية والحركية

واجه التيار الجهادي مأزقاً حقيقياً بعد المواجهات العاتية مع النظام السياسي، فقد اكتشف أن النظم السياسية استفاقت على خطره، وجعلت أمر مواجهته والتحسب له هو شغلها الشاغل، كما اكتشفت التيارات الجهادية أنها استدرجت لمستنقع العنف والعنف المضاد، والذي بدى وكأنه نوع من العبث الذي لا طائل من ورائه، كما أنه يصيب الكثير من الأبرياء والضحايا برذاذه الكريه، واكتشفت هذه التيارات أن كوادرها تمت عسكرتها دون أن يوازي هذه العسكرة ويوازنها التربية الإيمانية والتقوى، فالجهاد وممارسته تم في ظل الدولة الإسلامية بعد تربية إيمانية كبيرة في مكة استمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.

لابد من الاعتراف أن استخدام السلاح يولد نزعة عنف عند من يستخدمه لو لم يكن منضبطاً بتقوى وإيمان وقدرة كبيرة على الانضباط النفسي والشرعي وحتى المؤسسي .

من هنا كانت المراجعات، وقد تمثلت بشكل رئيس في قضايا أساسية مثل:

1.اعتبار عامل القدرة المرتبطة بالتكليف، فمناط التكليف القدرة ولو لم تكن قادراً فإن التكليف يسقط عنك"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"، وأمر مجاهدة النظم المجانبة للشريعة لا يصبح المسلم مخاطباً به، أي واجباً عليه، ما لم يكن لديه القدرة، فالتكليف يكون بما يطاق خاصة في أمور المجتمع والسياسة، أو ما يطلق عليه (فروض الكفايات) ، والتي لا يمكن للمرء وحده أن يستقل بإنجازها .

2.تصوُّر أن قضايا التغيير والإصلاح من الأمور الاعتقادية، وتوسيع مسائل العقيدة وإقحام ما ليس من العقيدة فيها، وهو ما يعطيها حكمها، فمسائل العقيدة في أغلبها هي من القطعيات ولا يداخلها الظن والاجتهاد؛ لأن مصدرها الإيمان الخبري السمعي الغيبي، أما مسائل الإصلاح والتغيير فهي من المسائل المتغيرة التي يمثل الاجتهاد أداتها الأساسية . نحن لدينا مبادئ، لكن كيفية تحقيقها تخضع للاجتهاد والنظر في الواقع الذي يمثل عنصراً حاسماً في تحقيق مناطها .

3.الانتباه إلى أن القوة العسكرية لا تنجز وحدها أمر المواجهة، فهناك جوانب دعوية مهمة أخرى، وأدوات مثل النصح والنقد والمراجعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك أدوات مهمة مثل الكتابة والخروج السياسي الذي قد يستخدم أدوات معاصرة ليست منصوصاً عليها، لكنها من المباحات التي لا تخالف النص .

4.عزل الحركة الإسلامية عن مجتمعها، بحيث جعلت لنفسها مجتمعاً موازيا، ونصبت من نفسها فرقة أو طائفة تقوم هي بالتغيير نيابة عن مجتمعاتها، رغم أن المفروض هو عمل الحركة داخل مجتمعاتها للأخذ بيدها إلى الخير والنور، لذا فمسألة الانفصال عن مجتمعها هو كارثة كبيرة، ومن هنا كان الوعي بضرورة الانخراط في المجتمعات الإسلامية، ودعوتها للحق والأخذ بيدها إلى الصراط المستقيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت