فهرس الكتاب

الصفحة 8256 من 9994

ثالثاً: ومن أسباب شرح الصدر العلم النافع، فهو يوسع الصدر حتى يكون أوسع من ذي قبل، والمقصود بالعلم النافع هو الموروث عن المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، فإن أهله أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأطيبهم عيشاً، والمؤمن هو الذي لا يكف عن طلب العلم سواء كان كبيراً أو صغيرا، كم من رجل جاوز الخمسين حفظ القرآن العظيم؟ وكم من عالم لما قرئت ترجمته وجدنا أنه لم يطلب العلم إلا بعد الأربعين، كثير من شبابنا ونرى غالبه كهولاً لا يطلبون العلم أبدا، لا يطلبون العلم مع أنه من أعظم الأسباب التي تعين على نور القلوب، ولقد كان السلف الصالح- رحمهم الله تعالى- يطلبون العلم وهم أشياخ، حتى أن الواحد منهم كان يتعلم العلم ويطلبه وهو في مرض وفاته، بل بعضهم في السكرات.

الرابع: من الأسباب التي تعين بإذن الله على شرح الصدور، الإنابة إلى الله تعالى ومحبته بكل قلب، والإقبال عليه تعالى، والتنعم بعبادته، وهذا من أعظم أسباب شرح الصدور، حتى قال بعض العابدين وهو يجد هذه اللذة العظيمة في طاعته وعبادته، ومحبته لله، يقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم الذي أنا فيه الآن إنهم لفي عيش طيب، فأي صدر أوسع وأشرح من صدر أمام عابد يقول هذا الكلام، معبراً عما يجد من لذة العبادة والطاعة، والمحبة لله رب العالمين، قال بن القيم- رحمه الله-: (وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حس به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح، وأشرح، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن..، رحمك الله يا ابن القيم لقد انعكست الموازين في زماننا، فصار ضيق الصدر بالقرآن وبالصلاة، وصار ضيق الصدر بطاعة الرحمن، أما انشراح الصدر فبالملاهي واللعب، وبالسهر مع البطالين، ألا رحمك الله يا ابن القيم ووفقنا جميعا إلى أن نتعض ونعتبر، إن من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، ويكفي قول الله تعالى:(( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) ) (طه:124) .

وهذا الإعراض يكون للفرد وللأمة، يكون للفرد، فإذا وقع منه الإعراض حولت حياته إلى نكد، ويكون للأمة إذا أعرضت عن الله تعالى تحول جسدها إلى بغض وتناحر وتطاحن، الإعراض عن الله، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره ومحبة سواه، كل ذالك من أعظم أسباب ضيق الصدر، فإن من أحب شيئاً غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذالك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أتفه ولا أنكد عيشاً، ولا أتعب قلباً، انظروا إلى من تعلق بالدنيا، انظروا إلى من تعلق بامرأة غامد، انظروا إلى من تعلق بالملاهي، انظروا إلى تعلق هؤلاء واسألوا عنهم، اسألوا عنه وعن عيشه، إنها الغفلة عن الله تولد الحشرجة وضيق الصدور، علينا أن نعتبر ونتعض، علينا أن نبحث عن السعادة والسلامة لصدورنا، علينا أن نبحث عن انشراح الصدر وأسبابه حتى تنشرح صدورنا في الدنيا، وتطمئن قلوبنا يوم البعث والنشور، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هؤلاء، وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب عظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

هل رأيتم في البيوت ولدا طالحا وأبا صالحا ؟ هل رأيتم في بعض البيوت أبا طالحا وولدا صالحا ؟ هل رأيتم في البيوت أبا صالحا وابنا صالحا ؟ تلك نماذج أخبرنا عنها الله تبارك وتعالى في كتابه، ومن ثم فسيكون حديثي معكم عن شيئا من علاقتي الآباء والأبناء والأبناء بالآباء في القرآن الكريم، ونبدأ بالنموذج الأول، يقول الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر قصة نوح- عليه الصلاة والسلام- وقد دعا قومه، دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، يقول الله تبارك وتعالى: (( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) ) (هود:42،36) .

إن نبي الله نوح- عليه الصلاة السلام- بذل جهداً عظيماً في دعوة قومه، بذل جهداً كبيراً في دلالة قومه إلى الهداية وإلى السعادة، ودعاهم كما دعا الرسل جميعا، دعاهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، وأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وقد مكث فيهم نوح- عليه الصلاة والسلام- ما لم يمكثه رسول ممن أخبرنا الله تبارك وتعالى عنهم، مكث فيهم كما أخبر الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما، ونوع دعوته نوع دعوته- عليه الصلاة والسلام- في قومه، دعاهم ليلاً ونهارا، سراً وجهارا، بالأساليب المختلفة المتنوعة، ولكنهم أبوا إلا الفرار والإعراض عن الله وعن رسوله نوح عليه وعلى نبينا أفضل السلام، كيف نشأت عبادة الأصنام عند قوم نوح ؟ لقد ورد في ذالك حديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعبادة الأصنام في قوم نوح نشأت أول ما نشأت من الصور، فإن آدم- عليه الصلاة والسلام- كانوا على الإيمان، وقد تبث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، وكانوا جميعاً على الإيمان، ثم لما أخذت عبادة الأصنام تبدأ فيهم، بدأت من خلال ماذا ؟ بدأت من خلال عبادة الصور، جاءهم إبليس وقال لهم: لو أنكم صورتم صور الصالحين من أصحابكم في أماكن العبادة، لتفوقت كلها على العبادة، فظنوا أن هذا لا باس به وصوروا صورهم، فلما صوروا صورهم جاءهم الشيطان بعد مضي أجيال وقال لهم: إن أصحابكم السابقين لم يصوروهم فقط ليتقووا بهم وإنما صوروهم لعبادتهم، فنشأت عبادة الأصنام، وأصبحوا يضعون هذه التماثيل أمامهم، يعبدونها من دون الله تبارك وتعالى، (( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) ) ( نوح:23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت