فهرس الكتاب

الصفحة 4297 من 9994

#تمكين ذي القرنين .. الحدث والعبرة ... ... ...

سليمان حمدالعودة ... ... ...

ملخص الخطبة ... ... ...

1-التمكين في الأرض مطلب للأقوياء والملوك وغيرهم 2- التمكين من غير إيمان يعني متعة وشهوات قد تنقلب في الدنيا قبل الآخرة إلى حسرات و نكبات 3- ذو القرنين ملك عادل توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في نبوته 4- مسير ذي القرنين إلى مشرق الدنيا ومغربها 5- عدل ذي القرنين في الأمم التي ملكه الله أمرها 6- بناء ذي القرنين للسد مع عدم أخذ الأجرة عليه ... ... ...

الخطبة الأولى ... ... ...

أيها الأخوة المسلمون: وحيث سبق الحديث عن التوكل وآثاره، وعن صنف من غير المتوكلين وسلوكياتهم، فقد آن الأوان لعرض نموذج من المتوكلين على الله، أولئك الذين فهموا حقيقة التوكل على الله، وما عطلوا الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعا، فأورثهم ذلك استقامة على الهدى وتمكينا في الأرض، ورضى الخالق، ومحبة الخلق، دون علو واستكبار، ودون ضعف ومسكنة واستجداء الآخرين، أو تعلق وركون إلى الكافرين.

تلك وربي هي حقيقة التمكين التي تستحق الإشادة والذكر، وسواها من أنواع الغلبة والرئاسة لا تعدو أن تكون تسلطا على رقاب الناس، وتحكما في مصالح الخلق ومعاشهم، وحجرا أبلها على أفكارهم ومعتقداتهم، لا تلبث أن تزول لأنها لا تملك مقومات الثبات، ولا تستخدم أسلوب الإقناع، أو تسمع للدليل، بل تقيس الأمور بمقياس السادة والعبيد!

هذا التمكين في الأرض مطلب يبحث عنه السادة والزعماء، ويظل يلهث في بيداء سرابه المغرمون بالكراسي، فتنقطع أنفاس الكثيرين منهم دون أن يحققوه، لأنه منحة إلهية ذات مواصفات وشروط معينة لا يهبها الله إلا من شاء من خلقه.

وغاية ما يمكن أن يحققه الكثير منهم رغد العيش له ولمن حوله، والاستمتاع بشهوات الدنيا فترة من الزمن، وربما فاجأته الأقدار فتكدر صفو العيش، وتحولت المسرات إلى أحزان، واقتيد الملوك الأباطرة، وأصبحوا في عداد العبيد المأسورين، وتضاءل الملك العريض من حوله، وكان نصيبه من الدنيا ملجأ ضيقا يستتر به إن لم يكن حظه سجنا مظلما يغيب فيه.

وإذا كان هذا جزاء وفاقا لمن تنكبوا عن صراط الله المستقيم، ونحوا شرع الله عن أرضه وخلقه، وغرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور، فتعالوا بنا لنقف على صورة أخرى من التمكين رضي الله عنها، وخلد القرآن ذكرها.

وكان ذو القرنين نموذجا لها: إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً [الكهف:84-85] .

وذو القرنين من عباد الله الصالحين، ونتوقف في نبوته، كما توقف النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: (( وما أدرى أتبع نبي أم لا؟ وما أدري ذا القرنين كان نبيا أم لا(2 ) ))

لقد أعطاه الله ملكا عظيما فيه من أدوات التمكين والجنود مما لم يؤتاه الملوك، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، وطاف الأرض كلها حتى بلغ قرني الشمس، مشرقها ومغربها، ولهذا سمى بذي القرنين.

وليس يتم التمكين إلا بالعلم الذي يصون الملك عن أسباب التفكك والانهيار، ويمنع الملوك من التكبر والظلم الذي يجعل مصيرهم الدمار والهلاك، وبهذا فسر ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدى وقتادة والضحاك قوله تعالى: وآتيناه من كل شيء سبباً يعني علما (3) .

أجل، إن ذا القرنين مع توكله على الله، لم يتواكل ويغفل الأسباب المؤدية إلى تمكينه في الأرض، بل استخدم ما منحه الله من علم في سبيل تعريف الخلق بالخالق، وتحطيم قوى الشرك وإذلال المشركين، وتحقيق العبودية لله رب العالمين، مما هو في مكانة أمثاله من ملوك الأرض، ولم يصنع شيئا يستحيل أن يصنعه البشر، وما ينسج عنه في ذلك من الإسرائيليات والقدرات الخارقة للعادة، لا تستقيم مع النقد، ولهذا أنكر معاوية، رضي الله عنه، على كعب الأحبار، في حوار لطيف، حين قال له: أنت تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذاك فإن الله تعالى قال: وآتيناه من كل شيء سبباً .

ثم علق ابن كثير على هذه المحاورة بقوله: وهذا الذي أنكره معاوية، رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإنكار (4) .

إخوة الإيمان: وحتى تعلموا طرفا من علم ذي القرنين وعدله ودستوره وسياسته في الملك في البلاد التى افتتحها في معنى قوله تعالى: حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في حين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً [الكهف:86-88] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت