فهرس الكتاب

الصفحة 4298 من 9994

قال أهل التفسير: إنه سلك طريقا حتى بلغ إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، حتى أبصر الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط في عين حمئة، قيل: ماء وطين أسود، وقيل: إنها حارة لمواجهتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وبه جمع العلماء بين مختلف الأقوال في العين الحمئة (2) .

المهم أنه بلغ أمة من الأمم ، ذكر أنها كانت عظيمة من بنى آدم، وحين مكنه الله منهم، وحكمه فيهم، وأظفرهم بهم خيره، إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه حين قال: أما من ظلم أي استمر على كفره وشركه بربه فسوف نعذبه أي في الدنيا بنوع من العذاب ، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً أي في الآخرة، وفيه إثبات المعاد والجزاء فله جزاءً الحسنى في الدار الآخرة عند الله عز وجل وسنقول له من أمرنا يسراً أي قولا معروفا.

وهذه غاية العدل، وقمة العلم، وعلامة الهدى ودليل التمكين في الأرض دون جهل أو استعلاء، وتلك تجربة خاضها ذو القرنين، فما أفشى القتل جزافا، ولا استخدم البطش تجبرا وتسلطا.

ومن مغرب الأرض إلى مشرقها يصل ذو القرنين، ويمكن الله له في الأرض ويقهر الأمم، ويدعوهم إلى الله فإن هم أطاعوه وإلا أذلهم، وأرغم أنوفهم، واستباح أموالهم، واستخدم من كل أمة ما يستعين به - بعد الله - ومع جيوشه على أهل الإقليم المتاخم لهم، وهكذا جاب الأرض، طولها وعرضها، في مدة قال بنو إسرائيل: إنها بلغت ألفا وستمائة سنة، والله أعلم.

ولما انتهى إلى مطلع الشمس، وجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا، قيل: المعنى أنهم كانوا يسكنون سهولا شاسعة، ولا يوجد عندهم جبال تحجب عنهم الشمس، وقيل كانوا لا يملكون بيوتا أو أبنية تمنع عنهم أشعة الشمس وحرها، وقيل: ما كانوا يملكون شيئا يغطون به أجسادهم، وكانوا عراة فإذا أشرقت أصابتهم بأشعتها (1) .

وإذا كان القرآن لم يقص علينا من أخباره معهم كما قص في أخبار من كانت الشمس تغرب عندهم، فلا شك أن المعاملة بالعدل والحسنى، والدعوة إلى الإيمان والهدى، منهج داوم عليه ذو القرنين في كل الممالك التى مر بها والقرى، استوجبت ذكره في القرآن، ورضي عنه الرحمن، وكان بذلك نموذجا صالحا للممكنين في الأرض ..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:41] .

اللهم انفعنا بالقرآن، واملأ قلوبنا بالإيمان، ولا تجعلنا من أهل الشقوة والخسران.

(2) رواه الحاكم والبيهقي ، وصححه الألباني ( صحيح الجامع الصغير 5 / 121 ) .

(3) تفسير ابن كثير 5 / 185 ، 186 .

(4) تفسير ابن كثير 5 / 186 .

(2) تفسير ابن كثير 5 / 188 .

(1) مع قصص السابقين في القرآن / صلاح الخالدى / 333 . ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

الحمد لله رب العالمين، مالك الملك يؤتى الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير، وهو على كل شىء قدير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الخلق خلقه، والأمر أمره، وإليه المرجع والمآل وحده، كل شىء هالك إلا وجهه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أوحى إليه ربه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وتلك من دلائل نبوته، وصدق رسالته.

اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعل آله وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين ... وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد إخوة الإسلام، فلم يكن تطواف ذي القرنين ينتهي عند حدود مغرب الأرض ومشرقها، بل هيأ الله له من الوسائل والإمكانيات، ما بلغه شمالها، وهناك وجد أمة لا يكادون يفقهون قولا: وذلك لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس (1) .

وهى أمة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، واتكالية ترغب من الآخرين حل مشكلتها، ولذلك قالوا لذي القرنين: فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً [الكهف:94] (3)

وهذه الأمة تجاورها أمتان كثير عددها، ويستفحل خطرها، وتعيث فسادا فيما حولها، إنهما يأجوج ومأجوج الذين قال الله في وصفهم: وهم من كل حدب ينسلون [الأنبياء:96] .

هما أمتان من سلالة آدم عليه السلام، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، وهما المكثرتان لبعث النار، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى يقول: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها فيقال: إن فيكم أمتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج(5 ) )).

لقد كان من رحمة الله لهذه الأمة أن وصلها ذو القرنين، وكان بناؤه السد برهانا آخر على تمكينه في الأرض، فكيف وقع ذلك كله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت