لقد بلغ ذو القرنين بين السدين، وهما جبلان متقابلان، بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على تلك البلاد، فيعيثون فيها فسادا، ويهلكون الحرث والنسل، ويقال إن هذه المنطقة الواقعة جنوبي جبال القوقاز، وهى المسماة الآن بأرمينيا وجورجيا وأذربيجان - والله أعلم (1) .
فطلب القوم الذين يسكنون فيها من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا، ويعطوه من المال ما يعينه على هذه المهمة ... ولكن ذا القرنين، بعلمه وتمكين الله له، رد عليهم بقوله ما مكني فيه ربى خير يعنى: ما أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعون، وكذلك قال سليمان - عليه السلام - حين جاءته هدايا وأموال (بلقيس) صاحبة سبأ أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون [النمل:36] .
وكذلك تلتقي كلمات الصالحين مع كلمات الأنبياء والمرسلين، عليهم السلام، وكلها الثقة بالله، والتوكل عليه وحده، والاستغناء بما عنده، وكذلك يظهر لك توكل ذي القرنين، واعتماده أساسا على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق:3] .
ثم شرع ذو القرنين في بناء السد، وكان عملا جبارا، وتخطيطا رائعا، فهو أولا يطلب من هذه الأمة المشاركة بمجهودها العضلي، وما تملكه من آلات البناء، ثم يطلب قطع الحديد حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولا وعرضا قال: انفخوا: أي أججوا عليه النار، ولك أن تتخيل حجم وضخامة هذه النار التى يلزمها صهر هذه الأطنان من الحديد في هذا الممر الشاهق الارتفاع.
ولما كانت هذه المجموعة مشغولة بجمع قطع الحديد وصهرها، فهناك مجموعة أخرى تجمع النحاس، وتذيبه في القدور.
فلما تم صهر الحديد في الممر، وتم صهر النحاس في القدور - أو في أي مكان آخر - جاءت المرحلة الأخيرة من مراحل بناء السد قال آتوني أفرغ عليه قطراً والقطر كما قال ابن عباس وغيره: النحاس المذاب، فأمرهم بصب النحاس المصهور المذاب على الحديد المصهور المذاب فتخلل النحاس وسط الحديد واختلطا وصارا معدنا واحدا قويا متينا ثم تركا حتى جمدا، فصار سدا منيعا عجيبا مدهشا.
وإذا أردت أن تعلم مرة أخرى علم ذي القرنين، وتدرك حجم تمكينه في الأرض، وتفقه معنى قوله تعالى إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فاقرأ كتابا متخصصا في الصناعة الحديثة، وقف على ما انتهى إليه عالم اليوم بمصانعه الضخمة، وآلياته الجبارة، المتقدمة، وستدرك أن ذا القرنين، بما علمه الله سبق هذه الصناعة بقرون، وعلمه الله ما لم يعلمه غيره إلا بعد آلاف السنين.
يقول سيد قطب - رحمه الله - (وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إلى الحديد تضاعف مقاومته وصلابته، وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله(1 ) ) .
وهكذا إخوة الإيمان، ينبغي أن تكون دعائم التمكين في الأرض توكلا على الله، ينفي الاعتماد على غيره، أو الاستعانة بما سواه.
قوة وتخطيط تأخذ بكل أسباب القوة الممكنة شرعا عقلا، فلا تدع مجالا للتواكل والتراخي، وإضاعة الفرص، وهدر الطاقات سدى.
وسياسة حازمة عادلة مع خلق الله، تسوسهم بشرع الله، تكافئ المحسن وتفرق بين المؤمنين والكافرين، وتكرم العلماء والصلحاء، وتأخذ على أيدي الفسقة والسفهاء، وتأطرهم على الحق أطرا.
إن الأرض أرض الله، وإن الخلق خلقه، والسموات مطويات بيمينه، وتعسا لمن يحارب الله وهو الذي أوجده ومكنه، ولن يفلح قوم نصبوا العداوة لشرعه، وعادوا أولياءه، وما أنكد عيش من كان همه صرف الناس عن العبودية الحقة لله، ومهما طال ليل الظالمين فالعاقبة في النهاية للمتقين، ولا يقدر التمكين حق قدره إلا المؤمنون، فبالحق يحكمون، وبالعدل يسوسون، ولا تغتر بالمستكبرين، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
(1) ابن كثير 5 / 192 .
(3) الخالدي ، مع قصص السابقين / 338 .
(5) انظر صحيح البخاري مع الفتح 8 / 441 في تفسير سورة الحج ، وصحيح مسلم في كتاب الإيمان ، باب بعث النار .
(1) الخالدي / 337 .
(1) في ظلال القرآن 4 / 2293 . ... ... ...