قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:51،52] .
وقال في حق المنافقين الذين يسمعون ويعرضون .. ويسمعون وينحرفون .. يسمعون ويهزؤون ويسخرون .. قال الله في حقهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [النساء:60-61] .
إذا المؤمن هو الذي يسمع للنبي صلى الله عليه وسلم ويطيع (( ... فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّداً فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَنْ عَصَى مُحَمَّداً فَقَدْ عَصَى الله ، مُحَمَّدٌ ا فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ ) ) (1)
فسيرة النبي ليست من أجل الثقافة ، ولا من أجل النظريات و المجادلات و إنما من أجل أن تحوّلها الأمة في حياتها إلى واقع عملى ، و إلى منهج حياة.
لابد من هذه العودة في هذه الأيام .. لابد من عودة إلى الله و رسوله فوالله لن تعود الأمة إلى مكانتها إلا إذا عادت إلى المنهج الذي رفعها من أسفل سافلين إلي أعلى عليين .. إلي منهج رب العالمين .. ومنهج سيد المرسلين الأمر جَدُ خطير.
هل تعلم أن مجرد رفع الصوت علي النبي يحبط العمل ؟ هل تعلم أن أبا بكر و عمر - رضي الله عنهما - كاد أن يقعا في الهلاك لمجرد أنهما رفعا أصواتهم فوق صوت النبي ؟ أبو بكر وعمر العظيمان في هذه الأمة - بعد نبيهما - تعرضا للهلاك والحديث في صحيح البخاري (1) عن أبن أبي مليكه قال كاد الخيران أن يهلكا ، أبا بكر و عمر ، رفعا أصواتهما في مجلس النبي فقط لما أقبل وفد بني تميم علي الحبيب . قال أبو بكر: أَمِّرْ عليهم القعقاع بن معبد يا رسول الله ، فقال عمر: لا بل أمر عليهم الأقرع بن حابس يا رسول الله ، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي يا عمر . قال عمر: لا ما أردت خلافك يا أبا بكر . فقط هذه هي الكلمات بنصها.
هذا هو الحوار ، ما الذي حدث؟ لا شيء إلا أن الصوت قد علا عند النبي المصطفي فنزل القرآن يحذر ونزل القران يربي:
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] .
أيها المسلمون: إذا كان مجرد رفع الصوت على النبى صلى الله عليه وسلم يحبط العمل فكيف بتنحيه شرع النبى صلى الله عليه وسلم ؟!! واتهام
شريعته بالجمود ، والقصور ، والرجيعة ، والتخلف ؟!! وعدم قدرتها على مسايرة مدنية القرن الحادى والعشرين .
من يدعى حب النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يفد... ... من هديه فسفاهةٌ وهراءُ
فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء
وأختم بهذه القصة اللطيفة التى طالما ذكرت بها لأبين أين نحن من المحبة الصادقة ؟ فلقد جاء تلميذ إلى أستاذه وقال: يا أستاذى علمت أنك ترى رسول الله في رؤياك . قال: وماذا تريد يا بنى ؟ قال: علمنى كيف أراه فإنى في شوق لرؤياه ؟! فقال أستاذه: فأنت مدعو لتناول العشاء معى هذه الليلة لأعلمك بعض ذلك كيف ترى حبيبك رسول الله .
وذهب التلميذ لأستاذه ووضع الأستاذ المربى العشاء بين يدى تلميذه وأكثر فيه الملح ومنع عنه الماء فطلب التلميذ الماء مراراً فأبى عليه أستاذه بل وأصر عليه أن يزيد في الطعام . فقال له: نم وإن استيقظنا قبل الفجر إن شاء الله تعالى سأعلمك كيف ترى النبى صلى الله عليه وسلم في رؤياك ، فنام التلميذ يتلوى من شدة العطش ويتألم من الظمأ فلما استيقظا قال له أستاذه: أى بنى قبل أن أعلمك كيف ترى النبى صلى الله عليه وسلم أسألك هل رأيت الليلة شيئاً في منامك ؟
قال: نعم . قال ماذا ؟ قال: رأيت يا سيدى الأمطار تمطر ، والأنهار تجرى ، وبحار تسير !! فقال أستاذه المربى: نعم يا بنى صدقت نيتك فصدقت في رؤيتك ، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله
ما أيسر الإدعاء وما أسهل الزعم ، وما أرخص الكلام ، لكن أين نحن من اتباع حقيقى ؟ أين نحن من عودة صادقة لسيرة وحياة النبى صلى الله عليه وسلم .
والله ليس لها من دون الله كاشفة ، إلا إذا عادت الأمة مرة أخرى إلى منهج الرب العلى .. وإلى سيرة وحياة النبى صلى الله عليه وسلم .. لتحول هذه السيرة العطرة ، وهذه الحياة الحافلة في حياتها - من جديد - إلى واقع عملى .. وإلى منهج حياة .
أسأل الله جل وعلا أن يرد الأمة رداً جميلاً .
(1) متفق عليه: رواه البخارى رقم (4372) فى المغازى ، باب وفد بنى حنيفة ، ومسلم رقم (1764) فى الجهاد والسير ، بابا جواز الإغارة على الكفار.
(1) متفق عليه: رواه البخارى (3231) فى بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين ، ومسلم (1795) فى الجهاد والسير ، بابا ما لقى النبى صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين
(1) العهلز: شئ كانوا يأكلونه في عام المجاعة يخلطون فيه الدم بوبر الإبل ثم يُشوى على النار فيأكلونه إذا اشتد بهم الجوع .
(1) صحيح: رواه مسلم (2593) فى البر والصلة ، باب فضل الرفق .
(2) صحيح: رواه مسلم (2594) فى البر والصلة ، باب فضل الرفق .
(1) صحيح: رواه مسلم (537) فى المساجد ، باب تحريم الكلام في الصلاة.
(2) رواه البخارى (6025) فى الأدب ، باب الرفق في الأمر كله ، ومسلم (285) فى الطهارة ، باب وجوب غسل البول .
(3) البخارى (6010) فى الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم .
(1) متفق عليه: رواه البخارى (4331) فى المغازى ، باب غزوة الطائف ، ومسلم (1059) فى الزكاة ، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام .
(1) قال الحافظ في الإصابة: رواه الطبرانى ، والحاكم ، وأبى الشيخ ، وابن سعد وغيرهم ثم قال ورجال إسناده موثقون / وذكره ابن كثير في البداية وعزاه إلى أبى نعيم في الدلائل ، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (8/240) رواه الطبرانى ورجاله ثقات .
(1) صحيح: البخارى (2731 ، 2732) فى الشروط ، باب الشروط في الجهاد .
(1) رواه مسلم (746) فى صلاة المسافرين ، باب جامع في صلاة الليل .
(1) صحيح: البخارى رقم (7281) فى الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول الله .
(1) صحيح: البخارى (4845) فى التفسير ، باب (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]