فهرس الكتاب

الصفحة 9897 من 9994

يقول: فانطلقت يوماً فرأيت النبي وقد أقبل عليه رجل يركب راحته و هو يقول: يا رسول الله إن قومي من قرية كذا أو من بنى فلان في قرية كذا كانوا قد دخلوا الإسلام فكنت وعدتهم أنهم إن دخلوا الإسلام أن يأتيهم الرزق رغداً ، وقد أصابهم اليوم شدة فاخشى أن يخرجوا من الإسلام طردا كما دخلوا الإسلام طمعاً فأن رأيت أن نرسل إليهم بشى من المال لتغنيهم به فعلت وجزاك الله خيرا فالتفت النبي إلى علىّ بن أبى طالب وكأنه يريد أن يسأل هل عندنا من المال شي ؟!! يقول زيد بن سعنة: فأقبلت على محمد وقلت يا محمد هل تبيعني تمر حائط بنى فلان إلى أجل معلوم؟ فقال النبي: (( نَعَمْ لَكن لا تُسمِّى حَائِطَ بنى فُلان ) )فقال زيد ابن سنعة: قبلت . يقول زيد فأعطيت النبى صلى الله عليه وسلم ثمانين مثقالاً من ذهب فدفعها كلها إلى الرجل و قال: (( أَغِثْ بِهَذَا الَمالَ قَومَكْ ) )يقول زيد: وقبل أن يحل وقت السداد رأيت محمداً في نفر من أصحابه ، بعد أن صلى على جنازة رجل من الأنصار ، يجلس إلى جوار جدار ، فأقبلت عليه ، وأخذت النبى صلى الله عليه وسلم من مجامع ثوبه و قلت له:أدى ما عليك من دَيْنٍ يا محمد فوالله ما علمتكم يا بنى عبد المطلب إلا مُطْلاً !! فالتفت عمر إلى هذا الحبر اليهودي - وهو لا يعرفه - وقال: يا عدو الله تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ، وتفعل برسول الله ما أرى ، والله لولا أنى أحذر غضبه لضربت رأسك بسيفي هذا !! فالتفت النبي إلى عمر وزيد بن سنعة يراقب وجه النبي ، و يراقب كلمات النبي ، ويريد أن يسمع ماذا سيقول رسول الله في هذا الموقف الرهيب العصيب ، فالتفت النبي إلى عمر وقال: (( أَنَا وَهُو يَا عُمَرُ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ ، أَنْ تَأْمُرِنَي بحًسْنِ الأَدَاءِ وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ جَزَاءَ مَا رَوَّعْتَهُ ) ). يقول زيد: فأخذني عمر فأعطني حقي وزادني عشرين صاعاً من التمر . فقلت له: ما هذه الزيادة. قال: أمرني رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك . فقال زيد بن سعنه: ألا تعرفنى يا عمر . قال: لا قال: أنا عمرو بن سعنة قال عمر: حبر اليهود . قال: نعم . قال عمر: فما الذي حملك على أن تفعل برسول الله ما فعلت ؟!! قال زيد: ياعمر والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفها ، فيه الأولى: يسبق حلمه جهله ، والثانية: لا تزيده شده الجهل عليه إلا حلماً أما وقد عرفهما اليوم فإني أشهدك أني قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً و بمحمد نبياً ورسولاً وعاد حبر اليهود مع عمر بن الخطاب إلى المسجد فقال: أشهد أن لا أله الله وأن محمد رسول الله ، وشهد مع رسول الله بعد ذلك كل المشاهد والغزوات وتوفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر .

أيها المسلمون: أيها الأحبة الكرام.

ألم أقل لحضراتكم أن الإحسان إلى الناس يحول البغض في القلوب إلى حب ؟! ليت الأمة تعي هذا الدرس بحكامها ، وعلمائها ، وشبابها ، ونسائها.

ليت الأمة تعود إلى سيرة النبي لتحول هذه السيرة العطرة والأخلاق الذكية في حياتها إلى واقع عملي وإلي منهج الحياة.

فوالله ! ما تعلقت القلوب برسول الله إلا لهذه الأخلاق السامية.

لقد كرم النبيَّ أعداؤه قبل أصحابه وأصدقائه . شهد الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم علي الأقل بينهم وبين أنفسهم بالصدق ، والنبل ، والرجولة ، والأخلاق ، والحق ما شهدت به الأعداء . لقد قال عروة بن مسعود الذي ذهب ليفاوض النبي في الحديبية -كما جاء في البخاري (1) جعل يرمُق أصحاب النبي بعينه فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أى قوم ! والله لقد وفدتُ على الملوك ، ووفدت علي قيصر ، وكسري ، والنجاشي ، فوالله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمد يعظّمون محمداً ، والله ما تنخم نخامة إلا ووقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ! وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ! وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيماً له !!

إن الأمة الآن تتعامل مع هذه السيرة كما ذكرنا تعاملاً نظرياً ، تعاملاً ذهنياً .. تستمتع بالسيرة استمتاعاً سالباً !! بل يجب أن تكون سيرته شعلة توقد لنا شموس الحياة ، يجب أن تكون سيرته دماءً تتدفق في عروق أجيالنا مستقبلنا لنحول هذه السيرة في حياتنا إلى عملي ، وإلى منهج حياة ، وهذا هو عنصرنا الثالث من هذا اللقاء .

وأرجيء الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد رسول الله .

أما بعد:

ثالثا: عودة واجبة إلى الله جل وعلا و إلى سيرة وحياة المصطفي .

أيها المسلمون: قد يكون من اليسير جداً أن نقدم منهجاً نظرياً في التربية والأخلاق ولكن هذا المنهج النظري سيظل حبراً علي ورق مالم يتحول في حياة الناس إلى واقع عملي ، ومنهج حياة ، بل قد لا يساوي قيمة المداد الذي كتب به ما لم يتألق في دنيا الناس سمواً وروعةً وجلالاً ، ولقد نجح النبي في أن يجعل من الأعراب ومن العرب المنبوذين في أرض الجزيرة الذين لا ذكر لهم ولا وزن قبل الإسلام ، استطاع النبي أن يجعل من هؤلاء الحفاة العراة جيلاً قرآنياً فريداً لم و لن تعرف البشرية له مثيلاً على الإطلاق وذلك يوم أن نجح المصطفي في أن يطبع آلاف النسخ من المنهج التربوي الإسلامي ولكن لم يطبع هذه النسخ بالحبر على صحائف الورق وإنما طبعها على صحائف القلوب بمداد من النور ، فحول أصحاب النبي هذا المنهج النظري في التربية و الأخلاق إلى واقع عملي يتألق عظمة وروعة في دنيا الناس فرأت البشرية كلها نبلهم وصدقهم ، فرأت منهج الله يمشي على قدمين في دنيا الناس كما قالت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( كَانَ خَلُقُهُ القُرْآنُ ) ) (1)

كان النبي قرآنا متحركا في دنيا الناس ، و كذلك: كان أصحاب النبي يمتثلون أمر الله ورسوله .. ويحتنبون نهي الله ورسوله .. ويقفون عند حدود الله جل وعلا الذي يعلمهم إياهم رسول الله .

ووالله لن نكون من أتباع النبي حقاً إلا إذا عدنا فسرنا علي هذا الطريق من جديد .. فلنتظر كل نفس تدعي الإيمان بالله ورسوله .. وتدعي الحب لله ولرسوله أين هو من حقيقة الإيمان وحقيقة المحبة وصدق الاتباع ؟.

فالعودة إلى الله ورسوله ليست نافلة ، ولا تطوعاً ، ولا اختياراً ، بل هي عودة واجبة ، بل إننا أمام شرط الإسلام وحد الإيمان إما إيمان باتباع المصطفي والسير على طريقته ، وإما كفر بالانحراف عن منهج الله وعن طريق رسول الله قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت