وصدق المصطفي إذ يقول كما في صحيح مسلم (( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) ) (1) وفي صحيح مسلم من حديث عائشة (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ) ) (2) .
تدبروا هذا الدرس الذي رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي يقول: بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجلٌ من القوم (أى في الصلاة) فقلت يرحمك الله . (أى وهو في الصلاة) يقول: فرماني القوم بأبصارهم فقلت وَاثُكْلَ أُميَاه ! ما شأنكم تنظرون إلىّ ، فجعلوا يضربون بأيدهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يُصَمِّتُونَني لَكِّني سَكَتُ، فلما صلى رسول الله فبأبي هو أمي ! ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن منه تعليماً ، فوالله ما كَهَرِنَي ولا ضَرَبِنَي ولا شَتَمِنَي وإنما قال (( إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ) ) (1) .
هل هذه الدروس لمجرد الاستماع السالب ؟! أم لتحول الأمة هذه الأخلاق وهذه الدروس في بيوتها ، وأماكن عملها ، وحياتها وواقعها إلى واقع عملي ، وإلى منهج حياة؟! ورسول الله هو أسوتنا وقدوتنا. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وانس رضي الله عنهما: بينما نحن في المسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب النبي مه مه (يعني ماذا تصنع) فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ ) ) ( تقطعوا عليه بولته ) فتركوه حتى بال ، ثم نادى عليه نهر الرحمة وينبوع الحنان ومعلم الحكمة نادى عليه بأبي هو وأمي وقال له: (( إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ) ) (2) وفي راوية ابن ماجه بسند صححه شيخنا الألباني - رحمه الله - إن هذا الأعرابي أصبح فقيها بعد هذه الكلمات فقال بأبي هو وأمي قال إلي ، ولم يؤنب ، ولم يسب ، ولم يضرب.
ثم انفعل هذا الأعرابي بأخلاق الحبيب النبي فقام يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة كما في رواية البخاري (3) في كتاب الأدب من حديث أبي هريرة أنه قال: اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا ! أحد فلما سلم النبي قال للأعرابي: (( لقد حَجَّرْتَ واسعاً ) )لماذا ضيقت ما وسع الله جل و علا -يريد رحمة الله - فالله سبحانه يقول: . وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . [لأعراف: 156] .
وتدبروا أيضاً هذا الحديث الذي رواه البخاري و مسلم و أحمد من حديث أنس أن النبي لما فتح حنين فقسم في المهاجرين و الطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا ، فغضب الأنصار الأطهار الأبرار وقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي قريشاً ويترُكُنا وسُيُوفُنا تقطر من دمائهم . قال أنس: فحُدَّث رسول الله بمقالتهم ، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قُبِّة من أدم ، ولم يَدْعُ معهم غَيْرَهم فلما اجتمعوا قال النبي فقال (( مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ ) )فقال له فُقَهاء الأنصار: أما ذَوُو رَأْينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً ، وأما ناسٌ منا حديثةٌ أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر منه دمائهم . فقال النبي (( فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ
بِرَسُولِ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ )) (1) وفي رواية ابن اسحق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن الأنصار قال قائلهم: و الله لقد لقي رسول الله قومه (أي لما لقي رسول الله قومه من قريش أعطاهم ونسينا) فلما سمع ذلك سعد بن عبادة انطلق إلى النبي فاخبره بما قال الأنصار فقال النبي المختار: اجمع لي الأنصار يا سعد ، فانطلق سعد فجمع الأنصار فخرج النبي إليهم فحمد الله و أثني عليه ثم قال: ) (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي ؟ ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي ؟ ، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمْ اللَّهُ بِي ؟ ) ) فسكت الأنصار ، فقال المصطفي: (( أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ) )فقالوا: الله ورسول أَمْنُّ . فقال المصطفي:: (( لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ ، لَقُلْتُمْ جِئْتَنَا طَريداً فآَوَيْنَاك ، وَعَائِلاً فَوَاسَيْنَاكَ ، وَخَائِفاً فَأَمَنَّاكَ ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاك ) )فقال الأنصار: المنّ لله ولرسوله ، فالتقت المصطفي إليهم وقال بلغة الإحسان و الرفق والرحمة والحنان ، قال المصطفي: (( وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَة(أى في أمر تافه من الدنيا ) فألَّفْتَ بها قُلُوبَ قَومٍ أَسْلَمُوا حَدِيثاً ، وَوَكَّلْتُكُمْ إِلَي إِيَمَانِكُمْ بالله ورسُوِلِه ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجَعَ النَّاسُ إِلَى رِحَالِهمْ بِالشَّاهِ والبَعِير وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ))ثم التفت إليهم مرة أخري وقال: (( يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وسَلَك الْأَنْصَارِ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْب الْأَنْصَارِ ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ رَجُلاً مِنْ الْأَنْصَارِ ) )ثم رفع يديه وقال: (( اللهُمَّ ارْحَم الأَنْصَار ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَار ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءَ الأَنْصَار ) )فبكي الأنصار حتى اخضلت لحاهم من البكاء أمام هذا الإحسان والرفق ، وحسن التصرف ، و المعاملة.
وأختم هذه الدروس بدرس جميل آخر رواه الطبراني (1) من حديث عبد الله ابن سلام بسند رجاله ثقات أن حبر اليهود زيد بن السعنة قال: و الله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه النبي حين نظرت إليه إلا اثنين لم أعرفهما فيه الأولى: يسبق حلمه جهله ، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً.