فهرس الكتاب

الصفحة 9108 من 9994

وإذا صار المعيار الوحيد الذي يوالي العبد ُويعادي من أجله، ويدافع وينافح عنه هو (الوطنية) فعندئذ تحدث الكارثة، وتحل المصيبة، ويقع المرء في المحظور وهو أن يبغض مسلماً، لا لشيء، إلا لكونه لا يعيش في مجتمعه، ولم يترعرع في بلده، وهذا أمرٌ لا يشك من له أدنى مسكة من عقل في تحريمه والنهي عنه، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . [الحجرات: 13] . ولقوله صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري من حديث أبي هريرة:"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب …". ولقوله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان … وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله...".

وأمّا أولئك الذين غلوا في تصور وإدراك معنى (الوطنية) فقد قدّموا لها كل شيء، وصارت عندهم المعيار الوحيد الذي يوالون ويعادون من خلاله، ومن أجله يدافعون وينافحون، وأصبحنا نرى عبر وسائل الإعلام (المرئية - المسموعة - المقروءة) من ينادون بالوطنية، حتى غلبت تلك الدعاوى على الدعوة المهمة، والغاية الأسمى: الدعوة إلى التمسك بهذا الدين. فهي الرابط الحقيقي، والمعيار الأساس الذي يجب على الناس المدافعة والمنافحة، والموالاة والمعاداة من أجله.

ثم لم نلبث هنيهة إلا وقد رأينا ما أثمرته تلك الدعاوى المغرضة المُبَطًّنة، التي تصب في مصلحة الأعداء، ومن تلك الثمرات: اختلال المقاييس، وانتكاس الموازين، فصار البعض - كما أسلفنا - لا يوالي ولا يدافع إلا عن من يعيش في وطنه، ويقبع في محيطه.

إنّ هذه الدعاوى مثلها كمثل الدعوة إلى القومية العربية، والتي لا نزال نتجرّع مرارتها، وآثارها السلبية على الأمة.

تلك الدعاوى جرّتنا لننسق اللقاءات، وندير الاجتماعات مع من يُعرفون بمذاهب تكثر فيها الشوائب والمخالفات العقدية، كالبعثيين، والعلمانيين، وبعضهم كافر في الأصل، كبعض الرؤساء النصارى. وكلّ ذلك - زعموا - من أجل حلّ قضايا الأمة العربية.

وفي مقابل ذلك يُترك ويُتَجاهل من هم على ديانة سليمة، ولا يُدرجون ضمن جداول تلك الاجتماعات، لا لشيء إلا لأنهم ليسوا عرباً!.

وحول ذلك يقول الشيخ العلامة محمد بن عثيمين، رحمه الله:"أما مجرد الدعوة إلى الوطنية فهذه دعوة فاشلة - وكما تعلمون - ضلال الدعوة إلى القومية العربية من قِبَل رؤساء سبقوا، وهلكوا وهلكت دعوتهم."

الدعوة إلى القومية العربية صار لها ضجة كبيرة، ودعوة عظيمة، ولكن فشلت، فشلت إلى أبعد الحدود، حتى العرب أنفسهم الآن ليسوا على قلب واحد بل إنهم متفكّكون ولا أدل على ذلك من اليهود - وهم عدو الجميع - صار كل واحد منهم يصالحها على انفراد ولا يأبه بالآخرين". ا.هـ"

شبهه وردها:

قد يستدل بعض من غلا في تصور وإدراك معنى الوطنية بما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني - رحمه الله - من وله عليه الصلاة والسلام مخاطباً مكة عند هجرته:"إنك لأحب البلاد إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت".

وعن هذه الشبهة، والاستدلال السقيم يجيب الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - بقوله:"أما احتجاج بعض دعاة الوطنية بقول الرسول - صلى لله عليه وسلم - لمكة: إنك لأحب البلاد إلى الله فلا حجة لهم في ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: إنك لأحب البلاد إلي، بل قال: إنك لأحب البلاد إلى الله."

ولذلك قال: ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه ذلك من أجل الوطنية، وإنّما من أجل أن مكة أحب البقاع إلى الله - تعالى - وهو - صلى الله عليه وسلم - يحب ما يحبه الله". ا.هـ"

قلت: وقد نرد عليهم برد دامغ، بأن نقول بأنه صلى الله عليه وسلم يحب بلده الحب الجبلي الفطري الذي لا محيص لا بن آدم عنه، لكنه ليس الحب الذي تزعمونه بأن يقدم المرء حبه لوطنه على دينه وآخرته، ولا أدل على ذلك من أنه لما رأى أن مصلحة هذا الدين، ومصلحة الأمة بشكل عام بأن يهاجر ويترك بلده، قدم مصلحة الأمة وهاجر عن بلده الذي نشأ وترعرع فيه من أجل مصلحة هذا الدين.

هذا وأسأل المولى الكريم أن يبارك وينفع فيما كُتب، وإن كان الموضوع متشعب، ويحتاج إلى مزيد بيان وبسط، لكن عزاؤنا أنّه يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وخير الكلام ما قل ودل، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،,,,,

ومشاركة المرأة في الدورات الأولمبية

فقد اطلعت على ما نشر في عدد من الصحف حول المطالبة بالأندية الرياضية النسائية، وأن تكون تابعة للرئاسة العامة للشباب ، وأن يكون لها المشاركة في الدوري الرياضي النسائي في كرة القدم والسلة والفروسية والتنس وغيرها ، وأن مجلس الشورى سيناقش مشاركة المرأة في الدورات الأولمبية القادمة (عام 2010) . وقد ذيلت كثير من هذه المطالب بقولهم:"وفق الضوابط الشرعية". أو:"ولا يوجد مانع شرعي من مشاركة المرأة". ورأيت أن من الواجب الشرعي بيان الحق في هذه المسألة في الآتي:

أولاً: أن إنشاء النوادي النسائية ومشاركة المرأة في الدورات الرياضية المحلية أو الأولمبية محرم شرعاً ؛ فمشاركتها من أعظم وسائل مشروع إفساد المرأة ، ضمن مخطط دعاة التغريب في إبعاد شريعة الله تعالى عن الهيمنة في بلادنا . فكيف يرضى المؤمن أن يكون معيناً لهم في تطبيع المجتمع على تقبل هذا الانحراف

المفسدة الثانية: أن مشاركة المرأة فيما ذكر ينافي القرار في البيت الذي أمرها الله تعالى به إلا لحاجة ، والدوري الرياضي ليس بحاجة شرعية . قال الله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى } ( الأحزاب 33) . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان"أخرجه الترمذي بسند صحيح . والشاهد في قوله فإذا خرجت ، وهو يفيد أن أول ما يتحقق به ستر العورة هو القرار وعدم الخروج . والمنافقون تعتريهم حالة من القلق والتوتر حين سماعهم لهذه الآية وهذا الحديث .

المفسدة الثالثة: أن مشاركة المرأة فيما ذكر يلزم منه ترك الجلباب الشرعي الذي أمر الله تعالى به في كتابه العزيز ، والجلباب هو الذي يسمى بالعباءة أو الملاءة التي توضع على الرأس. قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } (الأحزاب 59) . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت:"لَمَّا نَزَلَتْ ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ) خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الْأَكْسِيَةِ"أخرجه أبوداود بسند صحيح .

المفسدة الرابعة: أن من لوازم مشاركتها غالباً ، وقوعها في الاختلاط المحرم بالرجال ، والأدلة على تحريم الاختلاط كثيرة جداً ، ومنها:

1.حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال: الحمو الموت"متفق عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت