وإن نسيتُمونا فلا تنسوا أهلِينا وذرا رينا، وكفالتَهم ورعايتَهُم فنحنُ نحتسبُ أنفسَنا وإلى اللهِ المشتكى، وأخيراً إلى الوالدِ والوالدةِ العزيزين الكريمين، اصبرا واحتسبا، وأكثرا من قولِ لا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله، كما أوصى بذلكَ النبيُّ r، فقد جاءَ عوفُ بن مالكٍ الأشجعي إليهِ وقال يا رسولَ الله: إن ابني أسَرهُ العدوُ وجزِعْتْ أمهُ فما تأمرُني ؟ قال: (( آمرُك وإيَّاها أن تستكثروا من قولِ لا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله ) )فقالت المرأةُ نِعْمَ ما أمرَكَ به، فجعلا يُكثرانِ منها، فغفلَ عنهُ العدوُ فاستاقَ غنمَهم، فجاءَ بها إلى أبيهِ وهي أربعةُ آلافِ شاةٍ، فنزلت: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) ) (سورة الطلاق: 2) .
وأخيراً:
لا تنسوا قضيتَنا نحنُ الأسرى، نحنُ أبناؤُكم في كُوبا، لا تنسوا قضيَتَنا، لا تنسوا قضيتنا.
أيُّها المسلمون:
هذهِ رسائلُ حرى أُوجهُها
أولاً إلى العلماءِ: نَعم العلماءُ الذين هُم ورثُة الأنبياءِ، وعليهم من المسؤوليةِ ما ليسَ على غيرهِم، لقد رأيتُم أيُّها العلماءُ دَورُ َأسلافِكم في جُهدهِم في استنقاذِ أسرى المسلمين، رأيتم ما فعلَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ، ورأيتم ما فعلَهُ الإمامُ الأوزاعُي، وغيرهُم كثير، فأينَ دَورُكم في تحريكِ القضيةِ، ومخاطبةِ أهلِ الشأنِ لمحاولةِ فكاكِ هؤلاءِ الأسرى، أو على الأقلِ تحسينُ المعاملةِ معهم، والحديثُ عنهم في وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ لإثارةِ الرأي العامِ على العدو ِالحاقد، وبيانِ المخاطرِ الشرعيةِ من جَراءِ خُذلانِ هؤلاءِ الأسرى والسكوتِ عن قضيتهمِ، فاتقوا الله أيُّها العلماء، وكُونُوا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف .
الرسالُة الثانُية إلى أَهالي الأسرى: إلى أهالي الأبطال، إلى أهالي الذينَ رفعُوا رُؤوسَنا، لتعلموا أنَّ أبناءَكم لم يُسجَنوا من أجلِ شهوةٍ ساقطة، ولا من أجلِ جريمةٍ تتوارى النفوسُ حياءً منها، بل إنَّ أبناءَكم تُفاخرُ بهم الدنيا، فما أُخذوا إلاَّ وهُم في ذَروةِ سنامِ الإسلام، يُجاهِدُونَ في سبيلِ الله، يحمُونَ الذمار، ويُقَاتِلُونَ الكفار، فلتهنأْ لكم هذهِ المنزلة، ولتهنأْ لكم هذهِ المكرُمة، ولتقرَّ عيونُكم بهؤلاءِ الأبطال .
والرسالُة الثالثة: إلى إخوانِنا في الله، إلى أحبابنا، إلى الذينَ نشعرُ بآلامِهم، ونحسُ بمُصابِهم، إلى إخوَانِنا الذين وقعُوا في الأسر، يا أبطالَ الإسلام، الصبرَ الصبرَ، والثباتَ الثباتَ، يا من شَمَختم في زمنِ الذلِ، أَبعثُ لكم هذه الأبياتِ رفعاً للهمم، ليكنْ لسانُ حالِكِم أيُّها الفرسان:
سأحيا بالكرامةِ يا رِفاقي وأسحقُ دائماً أهلَ النفاقِِِ ِ
سأمضي في طريقي نحوَ عزٍ ولو قَطَعَ العِدا كفي وساقي
سأمضي للشهادةِ في ثباتٍ فإنِّي والمنيةُ في سباقِ ِ
فيا من تعرفوني لا تقولوا لماذا سُقتَ نفسَك للخِناق
فإني مؤمنٌ أهوى المعالي ولا أرضى بذلٍ أو شقاق ِ
وأقصى غايتي إرضاءُ ربي ونيلُ الفوزِ في أعلى المراقي
فلو سفكُوا دمائي كلَ يومٍ ولو وضعوا الحواجزَ في رفاقي
ولو جعلوا حياتي في جحيمٍ وصار الكونُ أسودَ كالمحاقِ
فلن يصلوا أيا أبتاهُ يوماً إلى قلبي ولن يثنوا مساقي
سأبقى صامداً زادي كتابي وقولُ المصطفى فيه ائتلاقي
سأبقى يا أبي حصناً منيعاً سأبقى في سماءِ المجدِ راقي
وسوفَ أُعيدُ للأيامِ ذكرى صلاحِِِِِِِِِ الدينِ والأُسْدِ البواقي
وسوفَ يجيءُ يومٌ فيه يشقى طواغيتُ الرياسةِ والنفاقِ
يذوقُ الناسُ بالشهواتِ هماً ويصلى البعضُُ منهم باحتراقِ
ولكني أعيشُ صفاءَ قلب أذوقُ بعزتي أحلى مذاقِ
أيُّها المسلمون: وبعد هذا العرضِ الطويلِ أضعُ لكم النقاطَ على الحروفِ، فأقولَُ مُوصياً الجميعَ بما يلي:
أولاً: إحياءُ قضيةِ الأسرى إعلامياً، وتسليطُ الأضواءِ عليها، وفضح السياسةِ الأمريكيةِ تجاهَ المسلمين وقضايَاهم.
ثانياً: الاتصالُ بالهيئاتِ والمنظماتِ المُهتمةِ بحقوقِ الإنسانِ للتدخُلِ، وتخفيفِ وطأةِ العذابِ على الأسرى المُجاهدين.
ثالثاً: الضغطُ على الدولِ ومطالبتُهم بتقصي أخبارِ الأسرى، وإرجاعِهم إلى بلدانهم.
خامساً: تكوينُ هيئةٍ من المُحامينَ المُخلصينَ لتحريكِ هذه القضيةِ داخلياً وخارجاً.
سادساً: إعلانُ الجهادِ لفكِ أسرى المسلمين كما فعلَ القادةُ والأئمةُ من قبل، وهذا ما فعلَهُ المنصورُ بنُ أبي عامر، وفعلَهُ المعتصمُ، وفعله الحكمُ بن هشامُ وغيرُهم من القادةِ الكبارِ.
[1] الكامل 5/370 .
[2] شذرات الذهب (1/64) .
[3] الحلية (5/312)
[4] بغية الطلب في تاريخ حلب 6/2706 .
[5] المنتظم 11/160 .
[6] الكامل 4/243
[7] البداية (14/10) .
[8] الفتاوى (28/622) .
[9] الحلية 6/135 .
[10] البداية والنهاية 11 /57
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أيها المؤمنون:
الخلاف والفُرقة شرٌّ وبلاءً وضعفٍ وشتات، والاجتماعُ والائتلاف رحمةً وقوة وحفظ للطاقات، وإذا اجتمعت الأممُ والشعوبُ الكافرة على مصالح اقتصادية أو لأهداف سياسية، كان اجتماعُ الأمة المسلمة على أهداف سامية وعلى ميثاق الكتاب والسنة: (( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ
) (سورة آل عمران:103) .
وإذا كان عالَمُ اليوم يشهد تكتلاتٍ واتحادات على الرغم من الاختلافات والتنازعات وغياب المنهج الرباني كالاتحاد الحاصل بين دول أوروبا، وكما يجري في ولايات أمريكا، وكالذي يحدث بين تقارب اليهود والنصارى أو بين فصائل اليهود والنصارى المختلفة فيما بينها.
إذا حدث هذا في عالم لا يرتبط بهدي السماء، ولا يقيم وزناً للقيم والمبادئ العليا، فكيف الحالُ بين أهل الإسلام؟ وماذا يجدون في كتاب ربِّهم وسُنّة نبيهم عليه الصلاة والسلام، وتراث أسلافهم من دعوة للاجتماع والإئتلاف.
وإذا عرفوا فكيف يخرجون من مأزق الافتراق والشتات؟
أجل إنه لم يحفل دينٌ بالوحدة الكبرى، والدعوة لاجتماع الكلمة، ونبذ الفرقة والخلاف كما حفل الإسلام.
جاءت تعاليمُه تؤكد على أتباعه أن أمتهم واحدة من آدم ونوح عليهما السلام إلى خاتم النبيين محمد r (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ) (سورة الأنبياء:92) .
إنها وحِدةٌ تتجاوز المكان، ولا تتوقف عند زمان، تذوب فيها الجنسياتُ والأعراف، كما تذوب فيها اللغاتُ والألوان، وتطوى صفحات الزمن ليتصل المسلمُ بأخيه عبر آلاف السنين.
ألا ما أرحب هذه الوحدة، وما أوسعها، فهل تدانيها وحدةٌ أخرى ؟ كلا.
وبقدر ما يُدعى المسلمون لهذه الوحدة الكبرى يُنهون عن الفرقة والتنازع والخلاف، وفي ذلك إقامةٌ للدين ورصٌ لصفوف المسلمين: (( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) ) (سورة الشورى:13) .