فهرس الكتاب

الصفحة 8538 من 9994

فكتبَ الإمامُ الأوزاعيُ- رحمه الله- إلى أبي جعفرِ كتاباً قال فيه: ( أمَّا بعد: فإنَّ اللهَ تعالى استرعاكَ أمرَ هذه الأمةِ لتكونََ فيها بالقسطِ قائما، وبنبيِهِ - صلى الله عليه وسلم- في خَفضِ الجناحِ والرأفةِ متشبها، وأسألُ اللهَ تعالى أن يُسكنَ على أميرِ المؤمنين دهماءَ هذه الأمةِ ويرزقَهُ رحمتَها، فإنَّ سايحةَ المشركين غلبتْ عامَ أولٍِ، وموطؤُهم حريمُ المسلمين، واستنزالهُم العواتقَ والذراريَ من المعاقلِ والحُصُون، وكانَ ذلك بذنوبِ العباد، وما عفا اللهُ عنهُ أكثر، فبذنوبِ العبادِ استُنزلتِ العواتقُ والذراريُ من المعاقلِ والحصونِ، لا يُلقُونَ لهم ناصراً ولا عنهم مُدافعا، كاشفاتٍ عن رؤسهِنَّ وأقدامهِن، فكانَ ذلكَ بمرأى ومسمع، وحيثُ ينظرُ اللهُ إلى خلقهِ وإعراضِهُم عنه، فليتقِ اللهَ أميرُ المؤمنين وليبتغِ بالمُفاداتِِ بهم من اللهِ سبيلا، وليخرجْ من محجةِِ اللهِ تعالى، فاِنَّ اللهَ تعالى قال لنبيهِ:(( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ) ) (سورة النساء: 75) .

واللهِ يا أميرَ المؤمنين ما لهم يومئذٍ فيءٌ موقوف، ولا ذمةٌ تُؤدى خراجاً إلاَّ خاصةُ أموالهِم، وقد بلغني عن رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (( إني لأسمعُ بكاءَ الصبي خلفي في الصلاةِ فأتجوزُ فيها مخافةَ أن تَفتَتِنَ أمُه ) ).

فكيفَ بتخلِيتِهِم يا أميرَ المؤمنين في أيدي عدوهِم، يَمتهنونَهم ويتكشَفُون منهم ما لا نستحلُهُ نحنُ إلاَّ بنكاحٍ وأنت راعي اللهِ، واللهُ تعالى فوقَكَ ومستوفٍ منكَ يومُ تُوضعُ الموازينُ القسطَ ليومِ القيامة فلا تُظلمُ نفسٌ شيئاً، وإن كانَ مثقالَ حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين، فلمَّا وصلَ إليهِ كتابُهُ أمرَ أبو جعفرٍ بالفداء [9] .

وكان العلماءُ يشعُرونَ بمعاناةِ الأمِ المسكينة، والأبُِ المكلومِ، فتخرجُ من قُلوبِهم دعواتٌ صادقة، ذكرَ ابنُ كثيرٍ- رحمهُ الله- أنَّ امرأةً جاءت إلى الإمامِ بقيِ بنِ مخلد- رحمهُ الله- فقالت إنَّ ابني قد أسرتْه الإفرنج، وإنِّي لا أنامُ الليلَ من شوقي إليه، ولي دويرةٌ أُريدُ أن أَََََبيعَها لأستفكَّهُ، فإن رأيتَ أن تُشر على أحدٍِ يأخذُها لأسعى في فكاكهِ بثمنِها، فليس يقرُ لي ليلٌ ولا نهارٌ، ولا أجدُ نوماً ولا صبراً، ولا قرارًا ولا راحةً، (وهذا حالُ الأمهاتِ في هذا الزمن، فكيفَ يغمضُ لها جفنٌ وابنها أسيرٌ في يدي عدوِّها فإلى الله المشتكى) ، فقال بقي: نعم انصرفي حتى أنظرَ في ذلك إن شاءَ الله، وأطرقَ الشيخُ وحركَ شفتيهِ يدعو اللهَ عز وجل لولدِها بالخلاصِ من أيدي الفرنجِ، فذهبتِ المرأةُُ، فما كانَ إلاَّ قليلاً حتى جاءتِ الشيخَ وابنُها معها، فقالت: اسمعْ خبرَه يرحُمكَ الله، فقال: كيفَ كانَ أمرُك؟ فقال:إني كنُت فيمن نخدمُ الملك ونحنُ في القيودِ، فبينما أنا ذاتَ يومٍ أمشي إذ سقطَ القيدُ من رجلي، فأقبلَ علىَّ الموكَلُ بي فشتمني، وقال: لم أزلتَ القيدَ من رجليك ؟ فقلتُ: لا واللهِ ما شعرتُ بهِ ولكنهُ سقطَ ولم أشعرْ به، فجاءوا بالحدَّادِ فأعادوهُ وأجَادوه، وشدُّوا مسمارَهُ وأبدوه، ثُمَّ قُمتُ فسقطَ أيضاً فأعادوهُ وأكدوهُ فسقطَ أيضاً، فسألوا رهبانَهم عن سببِ ذلك فقالوا: لهُ والدة؟ فقلتُ: نعم فقالوا: إنَّها قد دعتْ لكَ وقد استُجيبَ دعاؤُها أطلقوه، فأطلقوني وخفروني حتى وصلتُ إلى بلادِ الإسلامِ، فسألَهُ بقيُ بنُ مخلد عن الساعةِ التي سقطَ فيها القيدُ من رجلهِ، فإذا هي الساعةُ التي دعا فيها اللهَ لهُ ففرجَ عنه [10] .

فهل يقتدي علماءُ المسلمين بهذه النماذجِ الفذة، ويقوموا بدورِهم، ويُحاولوا استنقاذَ أسرانا من أيدِ العدو الحاقد ؟ هل يتحركُ العلماءُ لمُناصحةِ المسؤولينَ من أجلِ تحريك القضيةِ، وإثارةِ الموضوع ؟!!

اللهمَّ هل بلغت، اللهمَّ فاشهد.

باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم .

الخطبة الثانية

أمةَ الإسلام:

هذه رسالةٌ من أسيرٍ، يُرسِلها إلى كلِ مسؤولٍ، إلى كلِ عالمٍ، إلى كلِ مسلمٍ، إلى كلِ ذكرٍ و أنثى، أيُّها المسلمون: إنني أعيشُ حالةً عصيبة، لقد هدَّني المرضُ، وأضناني الجهدُ، فشمسٌ محرقةٌ مستمرةٌ حتى الغروب، ومعاملةٌ قاسية، فالقيدُ في يدي وقدمي كُلَّما دخلتُ وخرجت، أُحسُ بثقلِهما، وأيُّ مرارةٍ أعظمُ من أن تكونَ أسيراً في يدِ عدوٍ حاقد، أيُّ كمدٍ أشدُّ من أن أُركَعَ وأُهانَ أمامَ علجٍ من علوجِ النصارى، ولكن إلى اللهِ أشكو غربتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناسِ يا أرحمَ الراحمين، أنتَ ربُ المستضعفينَ وأنتَ ربي، إلى من تكلني، إلى بعيدٍ يتجهمُني، أم إلى عدوٍ ملكَتهُ أمري، إن لم يكن بكَ غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكنَّ عافيَتُك هي أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهكَ الذي أشرقتْ له الظلماتُ، وصلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ من أن تُنزلَ بي غضبَكَ، أو تُحلَ عليّ سخطَك، لكَ العتُبى حتى ترضى ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بك.

يا من يسمعُ رسالتي، ما أنا فيه من الضيقِ والضنكِ والحرج، كلُّ هذا يهُونُ، كُلمَا تذكرتُ خُذلانَ المسلمين لنا، ونسيانَهم لقضيتنِا، وعدمَ إثارتِهم لموضوعِنا، وكأنَنَا أبناءُ كوكبٍ آخر، وكأنَنَا لسنا مسلمين، إنَّهُ لمن العارِ أن تتحركَ هيئاتٌ غربيةٌ لتُدافعَ عنَّا وسطَ جُمودٍ وخمولٍ إسلامي تجاهَ قضيتنا، ومن العجيبِ أن تتوتَرَ العلاقاتُ بين استراليا وأمريكا بسببِ أسيرٍ واحد، وتسوءُ العلاقةُ بينَ الحليفتينِ بريطانيا وأمريكا بسببِ خمسةِ أسرى بريطانيين، أما نحنُ فلا بواكي لنا مع أنَّ عددَنا قد فاقَ المائةَ والخمسين أسيراً، بل إنَّهُ لولا تصريحُ أمريكا بجنسياتِنا لواصلتْ الدولُ العربيةُ تجاهلَها وإنكارَها لوجُودِنا .

يا من يسمعُ رسالتَنا نحنُ الأسرى، إنَنَا سنقفُ خصماً لكم جميعاً يومَ نقفُ بين يديَ اللهِ تعالى ونقولُ: يا ربُ هؤلاءِ علِموا أمرَ نبيِكَ محمدٍ r بفكِ الأسير، ولم يمتثلُوا ولم يفعلوا الأسبابَ التي يُمكنُ لهم فعلَها.

إننا نناشدُ كلَ غيورٍ، نناشدُهُم برابطةِ الإيمانِ التي بيننا، أن يتحركُوا لأحياءِ قضيتُِنا من خلالِ وضعِ المُحامِين للمطالبةِ بفكِ ما نحنُ فيه، والكلامِ في موضُوعِنا من خلالِ وسائلِ الإعلام، والضغطِ على أمريكا وتهدِدِها بقطعِ المصالحِ إذا لم تُخلِ سراحَنا، والذي لا يستطيعُ أن يقدمَ شيئاً فلا أقلَ من أن يرفعَ يديهِ في الثلثِ الأخيرِ من الليل يدعو اللهَ تعالى على الظالمِ والمتخاذلِ، وأن يُفرِّجَ هَمنا وينفسَ كربنا، يقولُ النبي r: (( من خذلَ مسلماً في موطنٍ وهو قادرٌ على نصرهِ خذلَه الله في موطنٍ يُحبُ أن يُنصرَ فيه ) ).

وقال r: (( من نفَّسَ عن مؤمنٍ كربةً من كُربِ الدنيا نفسّ الله عنهُ كُربةً من كربِ يومِ القيامة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت