الصبر على الطاعة: صلتنا بالله ليست صلة أيام ومواسم كالذين لا يعرفون الله إلا في رمضان فإذا خرج رمضان خرجوا كالأنعام إلى شهواتهم. غايتنا أن نلقى الله تعالى عن كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله سبحانه: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين أي الموت وقال: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم:65] . وكلما ازداد العبد صبرا على الطاعة ازداد حبا لها وشوقا فهذا أحد الصالحين يفرش له فراشه بعد صلاة العشاء فيضع يده عليه ويقول: والله إنك للين ولكن فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صلاته إلى الفجر، حتى يسأل عمر ما أحب شيء إلى نفسه؟ فيقول: (ضرب السيف وصيام بالصيف) ، ورسول الله يقول: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) ) (3) [3] ).
أ - قبل العمل: بأن تكون النية خالصة لله: (( إنما الأعمال بالنيات ) ) (4) [4] ).
ب- عند العمل: فلا يكسل ولا يفتر: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) ) (5) [5] ).
ج- وعند الفراغ منه فلا يمن به ولا يطلب به سمعة: من جاء بالحسنة فله عشر أمثلها [الأنعام:160] .
الصبر عن المعصية: فتحفظ نفسك عن كل ما يدنيك من المعصية في بصرك: (( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها لله تعالى أبدله الله نورا يجد حلاوته في قلبه ) ) (6) [6] )، وفي لسانك: (( أمسك عليك هذا وأشار إلى لسانه يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ) (7) [7] ). وفي بطنك فلا يدخلها حرام للحديث: (( واعلم أن اللقمة الحرام إذا وقعت في جوف أحدكم لا يتقبل عمله أربعين ليلة ) ) (8) [8] ). وفي فرجك فلا تزني للحديث: (( من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة ) ) (9) [9] ).
رحم الله أحد الأصحاب وكان يشعل سراجا ثم يضع إصبعه عليه ويقول: (( حس حس ألم تفعل ذنب كذا، ألم تفعل ذنب كذا ) ).
الصبر على المصائب: والمسلم موقن بقدم ما كتبه الله على عبيده للحديث: (( قدّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ) (10) [10] ) ولله در الشافعي إذ يقول:
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذ حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلا على الأهوال جلدا وشيمتك السماحة والوفاء
وأرض الله واسعة ولكن إذا نزل القضا ضاق الفضاء
فهذا أيوب عليه السلام ابتلي في نفسه وولده وماله وتسأله زوجه أن يسأل الله كشف الضر وهو النبي المستجابة دعوته فيقول لها: (( كم مضى علينا في عافية فتقول: ستين سنة، فيقول لها: فإني أستحي أن أسأل ربي العافية وما بلغنا في البلاء ما بلغناه في عافية ) ). فالصحة أعوام والمرض أيام، والعافية سنوات والبلاء ساعات وكلها تمضي وتكون شيئا من الماضي كما قال الشاعر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الكاشف الله
سهرت عيون و نامت عيون في أمور تكون أو لا تكون
إن الذي كفاك بالأمس هما يكفيك غدا ما سيكون
وأما موقفنا من الصبر:
فعلينا أن نوقن أن العاقبة للصابرين المتقين: فهذا يوسف عليه السلام تآمر عليه إخوته فصبر وألقي في البئر فصبر وبيع بيع العبيد وهو الحر فصبر، وعمل خادما في قصر وهو الشريف فصبر، واتهم في عرضه وهو العفيف فصبر وسجن وهو البريء فصبر فأبلغه الله بعد ذلك المنزلة العالية حيث جعل أرزاق الناس وحاجتهم إليه في المؤونة حتى جاءه إخوته بائسين محتاجين الذين قالوا بالأمس: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا [يوسف:9] . هم الذين يقولون اليوم: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين [يوسف:88] .
واعلم أنه لا صبر إلا بيقين بالله وحكمته وعدله، وباليوم الآخر وما فيه من جزاء وحساب عادل للحديث: (( ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله تعالى: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اؤجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها إلا فعل الله به ذلك ) ) (11) [11] ) .
ومن الدعاء المأثور عن النبي قوله: (( اللهم إني أسألك من اليقين ما تهوّن علي به مصائب الدنيا ) ) (12) [12] ).
الخطبة الثانية
لم ترد .
(1) البخاري ومسلم .
(2) مسلم .
(3) مسلم .
(4) البخاري ومسلم .
(5) البخاري ومسلم .
(6) الطبراني .
(7) الترمذي وصححه .
(8) الطبراني .
(9) البخاري .
(10) 10])رواه مسلم .
(11) 11])أخرجه مسلم .
(12) 12])أخرجه الترمذي .
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-منزلة الصابر عند الله. 2- وسائل تحصيل الصبر. 3- ما يقوله المصاب. 4- المصيبة الأعظم وفاة النبي . 5- المصائب مقدرة ومكتوبة ، ولعل ذنوبنا هي سبب بعضها. 6- فوائد الصبر على البلاء. 7- أمور تعين الإنسان على الصبر. 8- أقسام الصبر.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى أيها الناس، روى أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما أنه في يوم من الأيام في المدينة، جاء ناس من الأنصار إلى النبي يسألونه المال فأعطاهم عليه السلام، ثم سألوه فأعطاهم، ومازال يعطيهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: (( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبَّر يتصبّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر ) ). هذا الحديث متفق عليه (1) [1] ، نعم إخوة الإيمان إنه الصبر، هذا مقام الأنبياء والمرسلين، ومنازل المتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، وهو أهم ما نحتاج إليه نحن في هذا العصر الذي كثرت فيه المصائب وتعددت، وقلّ معها صبر الناس على ما أصابهم به الله تعالى من المصيبة، ولو يعلم المصابون ما ينالون من الأجر الكبير إن هم صبروا، لتمنوا أن مصيبتهم أشد بلاء، وأعظم نكاء. واعلموا يا عباد الله أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، والصبر ضياء، بالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً [الفرقان:75] ، وقال تعالى عن أهل الجنة: سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] ، هذا هو الصبر، وتلك منزلته، وما أجمل إخوة الإيمان أن نعلم هذه المنزلة، وأن نقدرها حق قدرها، وأن نصبّر أنفسنا ومن حولنا عندما تقع المصيبة، وما أسرع الجزع والسخط إلى نفوسنا عندما تقع المصائب علينا، أو على من حولنا، بل إننا أصبحنا عوناً للإنسان على أن يتسخط وأن لا يرضى بقضاء الله، في بكاؤنا وطريقة عزائنا، وما أجمل الصبر وما أروعه، عندما يكون عند الصدمة الأولى، فذلك هو الاختيار الحقيقي، والمحك الرئيسي، لصدق العبد في صبره، واحتسابه مصيبته عند الله.