#القصة في كتاب الله
إعداد/ عبد الرازق السيد عيد
أصحاب السبت
الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان
الله عما يشركون، والصلاة والسلام على رسوله الكريم ونبيه الأمين محمد بن عبد
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أخي الكريم: هذا لقاؤنا الثاني مع قصة
أصحاب السبت، وقدمنا القصة مجملة في المقال السابق واليوم موعدنا لوقفات تأملية
نستوضح ما قد خفي من أمور، ونتأمل ما ننتفع به في مسيرتنا إلى الله، وهذا من
أَجَلِّ أهداف القصة القرآنية، ونستعين بالله ونبدأ بهذه الأسئلة والإجابة
عنها:
أولاً: هذا سؤال طرحه الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجابهم
عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا السؤال قد يخطر ببال أحدنا كما خطر ببالهم -
رضوان الله عليهم - في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير هي من نسل اليهود؟
فقال: «لا، إن الله لم يلعن قومًا قط فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان
فلما غضب الله على اليهود مسخهم وجعلهم مثلهم». وفي الحديث إشارة إلى وجود
القردة والخنازير منذ بدء الخلق وقبل وجود اليهود، وجاء المسخ على صورة أشياء
موجودة في الواقع من باب التنكيل والتوبيخ.
ثانيًا: ماذا حدث للممسوخين ؟ وهل
كان لهم نسل بعد ذلك ؟
نقل ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجُعِلُوا قردة فُوَاقًا (1) ثم هلكوا ما كان
للمسخ نسل». وفي رواية عن الضحاك عن ابن عباس - أكثر تفصيلاً - قال: «فمسخهم
الله قردةً بمعصيتهم إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم يعش مسخ قط فوق
ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر
الخلق في الستة الأيام التي ذكرها في كتابه، ومسخ هؤلاء القوم على صورة القردة
وكذلك يفعل الله بمن شاء ما شاء». اهـ.
ثالثًا: ما الذي فعله أصحاب السبت حتى
استحقوا هذه العقوبة المخزية ؟ وقد يقول قائل: معلوم أن اليهود أهل معاصٍ
وجرائم وفساد، فكم استباحوا من محرمات، وكم فعلوا من منكرات أعظم إثمًا مما
فعلوا يوم السبت، فلماذا استحقوا هذه العقوبة ؟
نقول وبأسلوب آخر: أي قدر من
وقاحة النفس، وقساوة القلب وفظاعة الذنب ذلك الذي أغضب الرب الحليم الصبور ؟
إن
المتأمل للآيات الست في سورة الأعراف والتي صاغت قصة أصحاب السبت يجدها تسجل
وتكرر على اليهود أوصاف:(الظلم، والتبديل، والاعتداء، والفسق، والتناسي،
والاستهانة بالحق، والاستخفاف بنذر العذاب الشديد).
رابعًا: يجيبنا الإمام ابن
القيم رحمه الله فيقول: «ولكن لما استحلوا محارم الله بأدنى الحيل، وتلاعبوا
بدينه وخادعوه مخادعة الصبيان ومسخوا دينه بالاحتيال مسخهم الله تعالى
قردة».
ويقول رحمه الله في موضع آخر: «وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل
ما أمر الله تعالى وترك ما نهى عنه، وتخليص المظلوم من يد الظالم فهذا النوع
محمود يُثاب فاعله، ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم
ظالمًا، والظالم مظلومًا، والحق باطلاً والباطل حقًا، فهذا الذي اتفق السلف على
ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ثم قال: إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من
اليهود بمسخهم قردة لما تحايلوا على إباحة ما حرّم الله تعالى عليهم من الصيد
في يوم السبت بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم
الأحد»، ثم يواصل فيقول رحمه الله: «قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم لمن
يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية ممن يتلبس بالفقه وعلومه وهو غير فقيه، إذ
الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حُرماته والوقوف عندها».
اهـ.
خامسًا: يتضح مما تقدم أن أصحاب السبت بما فعلوه من إثم يبدو في ظاهره
صغيرًا وهو عند الله عظيم؛ لأنهم بذلك وقعوا في الظلم فقد ظلموا أنفسهم بارتكاب
ما حرَّم الله والاعتداء على حدوده - سبحانه - والخروج عن شريعته والتهاون
بأحكامه وحدوده والجهل الشنيع بأسماء الله وصفاته، والكذب وتغيير الحق أو
كتمانه، فكان الجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا. وفي ذلك تحذير لمن يسمع
ويرى، هذه عقوبتهم في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم ولأضرابهم: وذلكم
ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من
الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن
يستعتبوا فما هم من المعتبين [فصلت: 23، 24] .
سادسًا: فوائد
في سطور:
1-الحذر الحذر من الاستخفاف بشيء من شريعة الله فذلك هو الهلاك.
النجاة النجاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3-من أمرته بالمعروف فلم
يأتمر، ونهيته عن المنكر فلم ينته وجب اعتزاله.
4-الساكتون عن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر مع قدرتهم على خطر عظيم.
5-ليحذر أهل الفقه من مداهنة أهل
المعصية بأي صورة من الصور.
6-من استخدم الحيلة في تحليل ما حرَّم الله أو