فهرس الكتاب

الصفحة 7779 من 9994

اللهم هيئ لهذه الأمة المنكوبة أمر رشد يعز فيها لطاعتك، وهيئ لها قائداً ربانياً يقودها إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم عليك بالمفسدين، اللهم عليك بالمفسدين.

اللهم إنّه طال ليلهم ونما زرعهم، وطال شررهم، واستطال شرهم، ولم يجدوا رادعاً ولا آمراً ولا ناهياً، اللهم عليك بهم يا حي يا قيوم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم صلي وسلم على محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون

من أخلاق الإسلام : الحياء

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً.

أما بعد:

أيها المسلمون:

اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.

عباد الله:

إن قيمة المرء ليست بلحمه ودمه، ولا بشكله ومنظره، وإنما بدينه وخلقه.

ومن هنا أعطى الإسلام للآداب والأخلاق منزلة عظمى ومكانة كبرى، فحين يتمسّك المرءُ بمحاسن الأخلاق ومجامع الآداب الإسلامية فإنه بهذا يُدلّل على متانةِ دينه، ورصانةِ عقله، وأدبٍ رفيع.

وإن ديننا بحمد الله تعالى قد اشتمل على مكارم الأخلاق كلها؛ صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، فشرع السلام والاستئذان، وحِفْظَ حقوق الإخوان، والأدب مع الأقارب والجيران، وأمرَ بصلة الأرحام، وإطعام الطعام، إلى غير ذلك من الآداب الكريمة.

غير أن رأسَ مكارم الأخلاق ونظامَ الإيمان هو الحياء: الحياءُ من الله عز وجل، والحياءُ من الناس.

فالحياء من الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحياء شعبة من الإيمان".

وقد بيّن عليه الصلاة والسلام حينما مَرَّ على رجل يعاتب أخاه ويعظه في أمر الحياء، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:"مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحيي، حتى كأنه يقول: قد أضرّ بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان".

إن الحياء خلق جميل يدعو إلى ترك القبائح، ويمنع من إهمال الواجبات والتقصير في أداء الحقوق، ولهذا فلا عجب أن يتوارث الناس عن الأنبياء المتقدمين قرناً بعد قرن:"إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".

فقد روى البخاري بسنده عن عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".

فمن لم يستحِ صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ انغمس في الفواحش والمنكرات.

وفي الحلية لأبي نعيم: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:"إن الله إذا أراد بعبدٍ هلاكاً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزع منه الأمانة فلم تلقه إلا خائناً مخوَّناً، فإذا كان خائناً مخوَّناً نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظاً غليظاً، فإذا كان فظاً غليظاً نزع رِبْقَ الإيمان من عنقه، فإذا نزع ربق الإمان من عنقه لم تلقه إلا شيطاناً لعيناً ملعناً"

وقد صدق من قال:

إذا لم تَصُنْ عرضاً ولم تخش خالقاً

ولم ترعَ مخلوقاً فما شئتَ فاصنعِ

أيها المسلمون:

إنَّ مَنْ كساه الحياء ثوبه لم يَرَ الناسُ عيبه، ومن خلع جلباب الحياء فعل من الفواحش والعيوب ما شاء: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) .

إنَّ المؤمن حييٌّ كريم، وإن الفاجر خِبَّ لئيم، لا يستحي من الله ولا من خلقه، ولا يخاف العقوبة.

إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي ... ولم تستحي فافعل ما تشاءُ

فلا والله ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

يعيش المرءُ ما استحياء بخيرٍ ... ويبقى العودُ ما بقي اللحاءُ

أيها المسلمون:

إنّ الحياء ينقسم إلي قسمين:

القسم الأول:

ما كان خَلْقاً وجِبلَّةً، غير مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يعطيها الله للعبد، فبسببه يبتعد المرء عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو بهذا الاعتبار من خصال الإيمان، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من استحى اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي".

وقال بعضهم:"رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتها مُروءةً فاستحالت ديانة".

القسم الثاني:

ما كان مكتسباً من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقربه من عباده واطلاعِهِ عليهم وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استحيوا من الله حَقَّ الحياء، قلنا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله والحمد لله. قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظَ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكرَ الموتَ والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء". [خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعاً، وفي اسناده كلام وله شواهد] .

قال بعض السلف:"خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستح منه على قدر قربه منك".

إن الحياء من الناس خُلُقٌ جميل، يملأ المجتمع أمناً وعفافاً، وخيراً وصلاحاً ويمنع من المجاهرة بالمعاصي ورديء الأخلاق.

قال مجاهد:"لو أن المسلم لم يصب من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه".

وعن حرملة بن عبد الله رضي الله عنه قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم، فقمت بين يديه فقلت: يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟أ قال: ائت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر الذي سمعته أُذُنُكَ من الخير يقولَه القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقوله القومُ لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه. قال: فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئاً: إتيان المعروف واجتناب المنكر". [رواه الإمام أحمد واسناده حسن] .

فالواجب على العاقل أن يعود نفسه لزوم الحياء من الناس، فإن ذلك يقوده إلى التعوّد على فعل محمود الخصال، والابتعاد عن سيئ الخِلال ورديء الكلام.

كما أن من أعظم بركة الحياء من الله: الفوز بالجنة والنجاة من النار.

إن الإنسان حينما يشتدُّ حياؤه، يصونُ عرضه، ويدفن مساويه، وينشر محاسنه، فمن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس وابغضوه، ومتى قلَّ حياء المرء صنع ما شاء، وقال ما أحب.

وتأمل أحوال كثير من الناس، ممن جاهروا بالمعاصي؛ فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فقل حياؤهم أو انعدم.

فرحم الله عبداً أدى فرائض الله وكف لسانه عن الحرام، وغض بصره، وحفظ فرجه، وابتعد عن الكسب الخبيث وأدى ما عليه من الحقوق ألا فطوبى لهذا الصنف من الأخيار ويا بشراه بعقبى الدار: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) .

وفقني الله وإياكم لما يرضيه، وجنبنا وإيّاكم أسباب سخطه ومناهيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت