فهرس الكتاب

الصفحة 9083 من 9994

كان بعثة نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل أعظم منة وأشرف هبة أمتنّ الله بها على البشرية قاطبة فأشرقت أنوار الرسالة , وظهرت أمارات العدالة , وتلاشت ظلمات الجهالة وفُتحت مصاريع الخير والبركة ! وبدعوة النبي الكريم وجهاده كُسرت الأصنام , وأزيحت الأوثان ورغم أنف الكافر وبكى الشيطان غير مرة !! فكان غير عجيب أن يُحدِّث النبي الأكرم بنعمة ربه عليه فيقول كما في الصحيح من حديث أبي هريرة:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"وما ذاك إلاَّ لتعرف الأمة عظم حقه عليها وسعة إحسانه إليها فتوقره وتعزره ! وتستن بسنته وتهتدي بهديه إذ قصارى مايؤمله نبي الرحمة من أمة الإجابة أن تطيعه فلا تعصيه وتتابعه فلا تخالفه! لكنَّ الأمة التي أراد الله لها الوسطية, واختار لها الاتزان والاعتدال أبت إلاّ أن تحيد عن الطريق مُشرقة أحياناً ومغربة أحيانا ! فكانت تجاه نبينا الكريم في غلو وجفاء , ومدّ وجزر, وتقدم وتأخر ! ففئام منهم غُلاة بلا حدود والآخرون جفاة بلا قيود ! فأما الأولون فجعلوه إلهاً يستغاث به ويستمطر ببركته ويطاف بقبره وتخلع عليه الألقاب التي لا تليق إلاّ بالله ولا ترضى لسواه ! فإنَّ من جوده الدنيا وضرتها, ومن علومه علم اللوح والقلم!! ومن لوازم هذا الغلو الصارخ إقامة الموالد احتفاء بذكراه وفرحاً بقدومه ويالها من دعوى ! إنهم يغلون في نبينا غلو النصارى بالمسيح ويحاكونهم باحتفالات موسمية ملئ بكل دنس وقبيح! فالنساء متبرجات والرجال متخنثون والعرض منتهك والوقار غائب !! وأمّا الآخرون فجفاة أغلاظ فلا توقير ولا تعزير , ولا تكريم ولاتبجيل!لا يرفعون بكلامه رأساً ولايقيمون لهديه وزناً! مترفعون عن سنته , متنكبون عن طريقته, يأمر فلا يُطاع ويقول فلا يُسمع! فكم من حديث نُسب إلى نبيهم فسخروا منه , وكم من خبر أسند لرسولهم فأعرضوا عنه! حذّرهم من الربا فاستبقوا إليه ونهاهم عن الحرام فولغوا فيه وخوفهم من الخنا فاستهموا عليه!! إننا نتساءل بمرارة.. ترى ما سر ذاك الغلو وماسبب هذا الجفاء؟!! أين الوسطية والاعتدال يا أمة القرآن والسنة؟!! أين التوقير المعتدل..وأين الإتباع الممتثل؟!! ألا أيها الناس تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم فنعرف لنبينا حقه المشروع فنهبه إياه دون منٍ أو أذى , ونعرف له منزلته التي اصطفاه الله لها واجتبى, فننزله إياها دون غلو أو جفاء! اللهم صل وسلم على محمد!

لا يخفى على كل مسلم أن الشريعة جاءت بكل خير ونهت عن كل شر وقطعية . ومن ذلك البغي وقطعية الرحم كما جاء من حديث أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من ذنب أجدر(أحق وأولى وأحرى) أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة (أي مع يؤجله له من العقوبة في الآخرة ) .من البغي وقطيعة الرحم ). (أخرجه أبو داود في الأدب ، باب في النهي عن البغي 2/693 برقم 4902، والترمذي ، كتاب صفة القيامة ، باب رقم(57) 4/664 برقم 2511 وقال حديث حسن صحيح ، وابن ماجه في الزهد ، باب البغي برقم 1408 ورقم 4211).

وقفه مع الراوي:هو أبو بكرة نفيع بن الحارث ، مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، تدلى في حصار الطائف ببكرة ، وفرّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم على يده ، وأخبره أنه عبد فأعتقه ، روى جملة أحاديث ، وكان من فقهاء الصحابة ، مات رضي الله عنه في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالبصرة.

والبغي هو الظلم. والرحم هم: ذوو الأرحام والأقارب ، كالعم ، والخال ، والعمة ، والخالة ، وأبناؤهم ، وبناتهم ، وقطيعة الرحم: عدم وصلهم وزيارتهم والسلام عليهم.

من الأحكام في الحديث:

1ـ الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة ، يستحق صاحبه العقوبة العاجلة في الدنيا فيراها قبل موته ، وقد تضافرت الآيات والأحاديث في التحذير من الظلم يقول تعالى: ( ما للظالمين من حميٍ ولا شفيعٍ يطاع ) (سورة غافر آية 18 ) . ويقول سبحانه: ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ) (سورة إبراهيم آية 42) ، ويقول سبحانه: ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ) (سورة الفرقان آية 27) . وروى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم ، فإذا أخذه لم يفلته ) ثم قرأ: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌٌ شديد ) (سورة هود آية 102 . والحديث(أخرجه البخاري ، كتاب التفسير ، باب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى 8/354 رقم4686 ، ورواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب تحريم الظلم 4/1977 برقم 2583)

2ـ الظلم أنواع ، ورأسه: الإشراك بالله تعالى ، قال تعالى ـ في ذكر وصايا لقمان لابنه: ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيمٌٌ ) . (سورة لقمان آية 13 ) .ومن الظلم: ظلم الأسرة والأولاد بعدم تربيتهم التربية الإسلامية الحقة. ومنه أيضاً: ظلم الناس بعامة ، بالاعتداء عليهم ، أو بخسهم حقوقهم ، أو النيل من أعراضهم . ومنه أيضاً: الظلم بالتقصير في أداء المصالح العامة ، كعدم الإيفاء بمتطلبات الأعمال ، أو تأخير مصالح الناس ونحو ذلك. ومنه أيضاً: الظلم الواقع على الخدم والعمال والأجراء ببخسهم حقوقهم ، أو تكليفهم ما لا يطيقون.

3ـ للرحم في دين الله شأن عظيم ، يجب وصلها ، وتحرم قطيعتها ، روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اقرأوا إن شئتم ) : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصاره ) ( سورة محمد آية 22 ، 23) . والحديث (رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب وتقطعوا أرحامكم 8/579 برقم4830 ، ومسلم ، كتاب البر والصلة ، 4/1980 برقم 2554) .

4ـ صلة الرحم تكون: بالزيارة ، والسؤال عن الحال ، والاطمئنان على القريب ، والتلطف بالخطاب ، كما تكون بإهداء الهدايا المناسبة ، والتهنئة فيما يحصل من الخير ، ومساعدة المدين المعسر في سداد شيء من دينه ، والسعي له في سداده ، وبذل الجاه ، وقضاء الحاجات ، والدعاء بالتوفيق والمغفرة ، وغير ذلك.

5ـ صلة الرحم تزيد في العمر ، وتبارك فيه ، كما تزيد المال وتنميه ، بالإضافة إلى تكفير السيئات ، ومضاعفة الحسنات ، وإرضاء الخالق جل وعلا روى البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن يبسط له فيرزقه ، وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه ) . (أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم 10/415 برقم 5986 ، ورواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها 4/1982 برقم 2557.ومعنى ينسأ له في أثره: يؤجل له في عمره .

6ـ المسلم الحق هو الذي يحب للآخرين ما يحب لنفسه ، فيؤدي حقوقهم ولا يتعدى عليهم أو يظلمهم ، أو يتطاول عليهم حسياً أو معنوياً.

7ـ العقوبات التي يسلطها الله تعالى على بعض عباده قد تكون في الدنيا وقد تؤجل في الآخرة ، فلينتبه المسلم لنفسه فلا يحقر شيئاً من الذنوب أو المعاصي عندما لا يرى أثرها في الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت