وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: أنا كافر بما تقول ثم مات. وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يُمسك عنها. قال ابن القيم رحمه الله: أخبرني من حضَر بعض التّجار عند الموت فجعلوا يُلقِّنونه لا إله إلا الله وهو يقول: هذه القطعة رخيصة. هذا المبيع جيد. وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عِبَراً والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم.
فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوّته قد تمكّن منه الشيطان واستعمله بما يُريده من المعاصي، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله، وعطّل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته، فكيف الظنّ به عند ضعفه واشتغال قلبه وجمع الشيطان له كل قوته وهمّته لينال منه غرضَه، فأقوى ما يكون عليه الشيطان ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة: أي حالة نزع الروح فمن ترى يسلم على ذلك فهنالك: يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء .
فكيف يُوفّق لحسن الخاتمة من أغفلَ الله قلبه عن ذكره واتّبع هواه، وكان أمره فُرُطا.
فمن كان قلبه غافلاً عن الله، عبداً لِهواه مُقيّداً بشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطّلة من طاعته مُشتغلة بمعصيته، فبعيد أن يُوفّق لحُسن الخاتمة.
إنه ليُخشى على صاحب المعاصي والمنكرات والذين اتخذوا آلات اللهو، يُخشى عليهم أن يكونوا مشغولين بها في آخر لحظة من حياتهم، فيكون خِتام صحيفتهم والعياذ بالله ما نطقت به ألسنتهم مما اعتادوه من المنكرات.
ثم اعلموا عباد الله أن سوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلُح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد وإصرار على الكبائر وإقدام على العظائم.
فربما غلَب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، ويَثِب عليه قبل الإنابة، ويأخذه الموت قبل إصلاح نفسه فيتخطّفه الشيطان عند تلك الدهشة. فبادروا رحمكم الله بالأعمال الصالحة فبين أيديكم أهوال من سكرات الموت صِعاب، وحشر وصراط وحساب، ويوم ياله من يوم، تنقطع فيه الأرحام والأنساب، ولا ينفع فيه الأهل والأموال والأصحاب، وما هو والله إلا نعيم في الجنان أو تقلّبٌ في العذاب.
انتبه يا من قادته الشهوات إلى الحفائر، ويا من دنّس الحرامُ منه الظاهر والباطن. انتبه يا من سبَقه القوم وتخلّف في الشهَوات وقسا قلبه بالمعاصي وشاب رأسه وهو مُقيم على الزلاّت، إلى متى وأنت تُبارز بالمعاصي من يَعلَم الظواهر والخفِيّات، تيَقّظ يا مسكين فإنّك عن قريب ستندم على ما فاتك من اكتساب الباقيات الصالحات.
فاللهم إنا نسألك أن تعصِمنا من سوء الخاتمة وأن تختِم أعمارنا بالصالحات، وأن تُثَبّت قلوبنا على دينك وتصرفها إلى طاعتك إلى أن نلقاك وأنت راضٍ عنّا يا رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
سالم بن عبد الكريم الغميز
حائل
جامع العريمضي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-خوف الصالحين من سوء الخاتمة. 2- بعض أقوال السلف ساعة الاحتضار. 3- صور من سوء الخاتمة. 4- أسباب سوء الخاتمة.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله عز وجل حق تقواه وراقبوه ولا تعصوه.
أيها المسلمون: إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن استغلاله فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته، وإن أساء استغلاله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله عز وجل على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسب وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباً في هلاكه.
أيها المسلمون: إنه ينبغي للمؤمن أن يخشى الله عز وجل حق خشيته وأن يعمل بالصالحات وأن يستمر على طاعة الله حتى الممات حتى لا تغلب الوساوس الرديئة على العبد في حال مفارقته الدنيا فيختم له بعمل سيئ عياذاً بالله من ذلك.
والخوف من سوء الخاتمة هو الذي طيش قلوب الصديقين وأرهب أفئدتهم في كل حين - ولماذا لا يخافون من ذلك، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، كم سمعنا عمن آمن ثم كفر، وكم رأينا من استقام ثم انحرف، ولذلك كان صلوات الله وسلامه عليه كثيراً ما يردد: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ).
ولقد ارتد في زمن النبي بعض من آمن فخرج من النور إلى الظلمات.
ولقد كان يشتد خوف السلف الصالح من سوء الخاتمة.
وإذا تأملنا أقوال السلف الصالح عند الاحتضار أخذنا من ذلك العبرة والعظة:
لما حضرت أبا هريرة - رضي الله عنه - الوفاة بكى فقيل: ما يبكيك؟ قال: يبكيني بعد السفر وقلة الزاد وضعف اليقين والعقبة الكؤود التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ويروى أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لما دنا من الموت دعا بحراسه ورجاله فلما دخلوا عليه قال: هل تغنون عني من الله شيئاً؟ قالوا: لا: قال: فاذهبوا وتفرقوا عني، ثم دعا بماء فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم قال: احملوني إلى المسجد، ففعلوا، فقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت وائتمنتني فخنت .. اللهم لا عذر فاعتذر ولا قوي فانتصر بل مذنب مستغفر، ولا مصر ولا مستكبر.
فإذا كان هذا هو حال الصالحين والأبرار فنحن أجدر بالخوف منهم وإنما أمنا لجهلنا وقسوة قلوبنا فنحن أجدر بالخوف منهم فنسأل الله قلوباً خاشعة.
أيها المسلمون: سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به والحمد لله وإنما تكون لمن كان له فساد في القتل أو إصرار على الكبائر أو إقدام على العظائم أو يكون مستقيماً ثم يتغير حاله ويخرج عن سنته ويأخذ في غير طريقه فيكون سبباً لسوء خاتمته وشؤم عاقبته.
وسوء الخاتمة أيها المسلمون على مرتبتين:
الأولى: أن يغلب على القلب والعياذ بالله شك أو جحود عند سكرات الموت وأهواله فيقتضي ذلك العذاب الدائم وهو أعظم المراتب.
وأما أن يتسخط الأقدار أو يتكلم بالاعتراض أو يجور في الوصية أو يموت مصراً على ذنب من الذنوب.
وأسباب سوء الخاتمة كثيرة نذكر بعضاً منها لعلنا نحذر منها وتعمل بضدها فمن هذه الأسباب:
الشك والجحود الذي تسببه البدعة.
وكم ختم لكثير من البشر بهذا عندما ابتدعوا في دين الله عز وجل وزاغوا وانحرفوا فظهرت حقيقتهم في أول لقاء لهم مع ربهم.
فهذا ابن الفارض الذي كان يقول بحلول الله عز وجل في مخلوقاته عندما احتضر كما قال الأئمة الثقات الذين شاهدوه في حالة الاحتضار نظم أبياتاً من الشعر وهو في تلك الحالة يعبر فيها عن شقوته وعن هلاكه قال ذلك حينما عاين سخط الله عز وجل، وقل أن يختم لمبتدع في دين الله تعالى بخير نسأل الله العافية والسلام.
ومن أسباب سوء الخاتمة:
التسويف بالتوبة .. وإن من أنجح حيل إبليس التي يحتال بها على الناس التسويف في التوبة فيوسوس للعاصي بأن يتمهل في التوبة، فإن أمامه زمناً طويلاً فليمتع نفسه ولا يشق عليها بالطاعات من الآن، فهذا من بعض مكائد إبليس في التسويف بالتوبة.
قال بعض السلف: أنذركم سوف فإنها أكبر جنود إبليس.
ومن أسباب سوء الخاتمة أعاذنا الله وإياكم منها حب المعصية واعتيادها، فإذا ألِف الإنسان المعصية ولم يتب منها فإن الشيطان يستولي على تفكيره حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، فإذا أراد أقرباؤه أن يلقنوه الشهادة ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، طغت هذه المعصية على تفكيره.