فهرس الكتاب

الصفحة 7913 من 9994

ومع مرور الأيام تم تطوير هذا المصطلح الحادث ، وتحول إلى دعوة فكرية ، لها امتداد عقدي يسعى بجد لنشر الإلحاد في بلاد المسلمين، وذلك بالسماح للمرتدين بإظهار ردتهم، وتمكين المنصرين من العمل في أوساط المسلمين، والقضاء على عقيدة الولاء والبراء ، وادعاء أن الحق خفي ، وأن الأديان قد فرقت البشر، ولا يجمعهم إلا قبول أهل الحق بالباطل ، بل إخضاع الحق لباطلهم الإلحادي ، وكل هذا الضلال يجري ترويجه ونشره، والدعاية له تحت مسمى: (التعايش السلمي) الذي ما رأيناه إلا قيدا قُيِّد به أهل الحق عن نشر حقهم، والمطالبة بما يجب لهم ، ورد العدوان عليهم ، ورفع الظلم عنهم.وكان هذا الشعار عونا لأهل الباطل في نشر باطلهم ، والمحافظة على ما اغتصبوه من بلاد المسلمين وحقوقهم؛ ليستريح أهل الباطل في ظله ، ويخدعوا به أهل الحق ، ومن ثم ينطلقون إلى ظلم جديد ، بعد الاستعداد الجيد، وتخدير المسلمين ، وهكذا رأينا فيما عشنا من سنوات ماضية.

إن الإسلام قد أعطى كل ذي حق حقه ، وأمر بالتعامل مع المخالفين كل بحسب فعله وجريرته من غير ظلم ولا بخس ولا تعدي ؛ فالمحاربون من الكفار والمنافقين لهم الحرب والقتال ، بما يدفع شرهم، ويزيل خطرهم ، ويكسر شوكتهم . وأما المسالمون الذين يريدون الأمان ، وقد قبلوا بحكم أهل الإسلام فلهم الحماية والذمة والأمان ، توفى لهم عهودهم ، وتبذل لهم حقوقهم، لا يَظلمون ولا يُظلمون، مع الإحسان إليهم ، والبر فيهم ، وتأليفهم على الإسلام لعلهم يسلمون.

وأما المنافقون: فإن أظهروا ردتهم عوملوا معاملة المرتدين ، وإن أخفوها عوملوا معاملة المسلمين ، ووكلت سرائرهم إلى الله تعالى.

وليس في الإسلام مصطلحات مائعة ، ولا شعارات براقة خادعة ، ولا يحتاج المسلمون لمن يكمل لهم نقصا في دينهم ، أو يدلهم على خير أغفلته نصوصهم ؛ فإن الله تعالى ما قبض رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أكمل دينه ، وأتم نعمته ، وبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده المؤمنين.

ألا فاتقوا الله ربكم ، واستمسكوا بدينكم ، ولا تخدعو بشعارات أعدائكم ؛ فإن الله تعالى ما كلف العباد أن يغيروا الواقع وهم لا يطيقون ذلك ، ولكنه سبحانه أمرهم بالتمسك بدينهم ، والثبات عليه إلى الممات: (( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) ( الزخرف: 43)

وفي الآية الأخرى: (( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ) (الأنعام: 1.6) .

بارك الله لي ولكم في القرآن .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ويرضى وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه.

أيها المسلمون: لم يكتف أهل الباطل في هذا العصر بما يملكون من أسباب القوة المادية في حربهم لأهل الحق ، بل عمدوا إلى التزوير والخداع بالقذف بهذه الشعارات البراقة عند الحاجة إليها ؛ ليتلقفها المخدوعون من أبناء الأمة المسلمة ، ويظنوا أن الخلاص بها ، فيثقون فيها أعظم من ثقتهم بربهم، ويتمسكون بها أكثر من تمسكهم بدينهم ، وينافحون عنها أشد من منافحتهم عن حقوقهم، ثم ما يلبثون إلا قليلا حتى يتبينوا أنها كانت شعارات كاذبة ، وأمان خادعة ، قذف بها الأعداء إليهم ليخدعوهم ليس إلا ، وربما علموا ذلك ، ولكنهم يأملون فيها كأمل المريض الهالك في المسكنات التي تسكن ألمه ولا تزيل مرضه ، بل ربما زادته مرضا إلى مرضه.

أن أهل الباطل في هذا العصر يدعون إلى التعايش السلمي وهم لا يزالون جادين في إنتاج الأسلحة المدمرة، وافتعال الحروب الطاحنة ، وزيادة ميزانيات التسلح، وإجراء التجارب النووية، والسعي في نزع أسلحة المسلمين ، ومراقبتهم والتشديد عليهم في ذلك، فإذا كانوا ينوون التعايش السلمي مع المسلمين فلأيي حرب هذا السلاح كله؟!

إنهم في الوقت الذين يدعون فيه إلى التعايش السلمي يقتلون المسلمين في كل مكان، ويدمرون بلدانهم بوحشية بالغة ، وهمجية لا يتخليها إنسان ، ويلقون قنابلهم المدمرة التي لا تفرق بين مقاتل وغير مقاتل.ورأينا صورا من تعايشهم السلمي فيما أقاموه من حروب وغزو لبلدان المسلمين، ونقلت عدساتهم قبل أيام صورا لأطفال يهود يكتبون على صواريخهم وقنابلهم رسائل لأطفال لبنان يقولون فيها: (موتوا مع كل الحب، موتوا بسلام) .

وفي رسالة أخرى كتبت صبية يهودية: (صديقي اللبناني: واثقة جدا أنك سوف تسمع رسالتي قبل أن تقرأها؛ فهي قوية إلى حد الشلل، ومدوية إلى حد التمزق، أشتاق إليك كثيراً، كن بالقبر ) .

وصدقت هذه الصبية اليهودية فيما كتبت إذ نزلت هذه القنابل على أهل قانا في لبنان فأوردت كثيرا من أطفالهم مقابرهم.

ومن صور تعايشهم السلمي معنا أن مجلس حاخاماتهم في فلسطين المحتلة قد دعا الحكومة اليهودية إلى إصدار الأوامر بقتل المدنيين في لبنان وغزة ، مشيراً إلى أن التوراة تجيز قتل الأطفال والنساء في زمن الحرب.

وأما أذنابهم من بني جنسنا فكم ملئوا الأسماع والأبصار داعين إلى التعايش السلمي، ونبذ العصبية للدين ، ثم ما رأيناهم يتعايشون هم سلميا مع من يدعونهم إلى التعايش السلمي؛ بل كانوا أشد المحاربين لهم، يسخرون بدينهم ، ويحرضون الأعداء عليهم ، ويدلون على عورات المسلمين ، ولا يقبلون في صحفهم وفضائياتهم إلا من كان مؤدلجا لخدمة الأعداء مثلهم ، حتى سموا بالمارينز العرب، من شدة تفانيهم في حربهم لإخوانهم وبلدانهم ، وخدمتهم لأعدائهم ، فيا له من تعايش سلمي نطقوا به ، ودعوا غيرهم إليه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل عليهم وعلى ظلمهم وإفترائهم.

تلك - يا عباد الله- حقيقة هذه الدعاوى التي لا يصدقها من كان عنده مسكة عقل ، فضلا عن مؤمن بالله تعالى ، وهو يرى أن الأحداث تكذبها، ويرى أن تلك الشعارات أضحت من أسلحة الأعداء يستخرجونها متى أرادوا المناورة والخداع مرة أخرى، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقد لدغ المسلمون في هذا العصر من جحور اليهود والنصارى والمنافقين عشرات المرات ، فمتى يستفيقون؟!

ولا خلاص لأهل الحق في هذا العصر من الذل والهوان، واستضعاف الكافرين والمنافقين لهم إلا بتوبتهم من ذنوبهم ، واجتماعهم على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وتعظيم نصوص الكتاب والسنة، ونبذ كل ما لا يتوافق معها أيا كان مصدره، ومهما كان قائله، مع إخلاص الدين لله تعالى، والإلحاح عليه بالدعاء الصادق.

وصلوا وسلموا على نبيكم .

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:

وردت خطبة الحاجة من طريق عدد من الصحابة منهم: ابن مسعود أخرج حديثه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت