فهرس الكتاب

الصفحة 7912 من 9994

وفي ثالثة: (( وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً ) ) (المائدة: 41) . وفي رابعة: (( إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ) ) (النحل: 37) .

وفي خامسة: (( وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ) ) (النمل: 81) .

وبسبب هذا الاختلاف والتمايز بين الفريقين كانت العداوة والبغضاء ، والاحتراب والقتال ، الذي ذكره الله تعالى بقوله سبحانه: (( الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ) ( النساء: 76) .

ويخاطب المؤمنين يحذرهم من الكفار فيقول سبحانه: (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ) ) (1.1) .

حقائق ناصعة لا لبس فيها ولا غموض ، وآيات بينات محكمة لا تحتاج إلى تفسير وبيان، نزلت من لدن لطيف خبير يخبرنا فيها ربنا جل جلاله عن طبيعة الصراع بين المؤمنين والكفار ، وأنه صراع على الدين ، لا على المصالح الدنيوية ، وأنه دائم ما دام على الأرض كفار ومؤمنون ، وأن الكفار لا يزالون جادين في إخراج الناس من دينهم لو استطاعوا ، وأنهم متفانون في إطفاء نور الله تعالى الذي هو الإيمان ، ومستميتون في جعل كلمة الله تعالى التي هي كلمة التوحيد سفلى، ويأبى الله تعالى إلا أن يتم دينه ، وأن يجعل كلمته العليا ؛ وذلك بنصر المؤمنين ، وتأييدهم بجنده ، ودحر الكفر وأهله: (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (البقرة: 217) .

(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (التوبة: 32 - 33) .

(( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) ) (التوبة: 4.) .

وإذا كان الكفار قد فعلوا بالرسل عليهم السلام ما فعلوا مما قص الله تعالى علينا خبره في القرآن، فكيف لا يفعلون ذلك بأتباع الرسل في هذا الزمان ؟!: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) ) ( إبراهيم 13) .

والكفار من قوم شعيب قالوا له: (( لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) ) (الأعراف: 88) .

والكفار من قوم لوط عليه السلام تآمروا عليه وقالوا: (( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) ) (النمل: 56) .

وأخبر الله تعالى عن مشركي قريش أنهم اجتمعوا على الشر ، وتواصوا بالباطل ، وتمالئوا على النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن قبيلتهم ، وخير الناس فيهم: (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) ) ( الأنفال: 3.) .

وفي آية أخرى: (( وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا ) ) (الإسراء: 76) .

إذا تقرر هذا الأصل العظيم الذي قرره القرآن ، من دوام عداوة الذين كفروا للذين آمنوا ، وأنها عداوة دينية لا دنيوية ، فهل يمكن أن يخدع المؤمنون بأكبر خدعة في هذا العصر ، وهي خدعة التعايش السلمي بين أهل الحق وأهل الباطل.

إن الحق والباطل ضدان لا يجتمعان ولا ينتفيان ، ومن قال غير ذلك فقد قال محالا ؛ إذ في الزعم بإمكان اجتماعهما وتآلفهما وتعايشهما تكذيب لما أخبر الله تعالى من ديمومة العداوة بينهما في كثير من الآيات القرانية ، ونفي لتاريخ طويل من تنازعهما واحترابهما ، وفي الزعم بانتفائهما تكذيب للقرآن الذي أخبر ببقائهما إلى آخر الزمان ، وتعطيل لحكمة الله تعالى في ابتلاء البشر وامتحانهم ببقائهما.

وأما التعايش السلمي بين أنصار الحق وأتباع الباطل فغير واقع في تاريخ البشر، ولا هو ممكن أيضا ؛ لأن أهل الحق مأمورون بنشر الحق ونصره ، والقضاء به على الباطل، كما أن أهل الباطل مدفوعون من الشياطين إلى نشر باطلهم ونصره ، والقضاء به على الحق ، فلا بد أن يخضع أحد الفريقين للآخر، وفي حال خضوع أنصار أحدهما ، وهيمنة أنصار الآخر يسود هدوء يسميه الجاهلون تعايشا سلميا ، وهو خنوع وضعف أصاب أنصار أحدهما لحساب أنصار الآخر.

فإن كان الضعف قد أصاب أنصار الحق ، لحساب جند الباطل كفارا كانوا أم مبتدعة ضلالا ؛ فإن الظلم والبغي والخوف يسود في الأرض التي ساد الباطل فيها، وتسفك دماء بريئة في سبيل الشيطان وجنده ؛ كما حصل في أزمان الحروب الصليبية ، والاجتياح التتري ، ثم الاستعمار بشقيه القديم والحديث.

وكما وقع من المبتدعة الباطنيين لما تمكنوا في بعض ديار أهل الإسلام.وكما يقع في هذا العصر الذي كانت الغلبة فيه لصهاينة أهل الكتاب على سائر البشر.

بل إن التاريخ يثبت أن الظلم والبغي قد وقع بين أهل الباطل بعضهم على بعض ، في حروب عقائدية شرقية وغربية خلفت دموعا ودمارا ، وأفنت بشرا كثيرا.

وأما إن كانت الدائرة لأهل الحق على أهل الباطل فإن العدل والأمن يسود في الأرض التي ساد الحق فيها ؛ كما وقع من المسلمين لما فتحوا مشارق الأرض ومغاربها ، وحكموا بين العباد بشريعة الله تعالى التي هي الحق والعدل والرحمة. وبشهاده الكفار من الروم والفرس والترك واللاتين وغيرهم أن حكم المسلمين فيهم أيام الفتوحات الإسلامية كان أعدل فيهم وأرحم بهم من حكم ملوكهم وأباطرتهم ، وما نعمت كثير من شعوبهم بالعدل والرحمة إلا لما تفيأت ظلال حكم الإسلام، وكان كثير من أفرادهم يهربون من ظلم ملوكهم إلى عدل أهل الإسلام.ودون المكذبين والمشككين في ذلك كم كبير من كتب التاريخ ، وشهادات المؤرخين غير المسلمين على ذلك.

إن مصطلح التعايش السلمي لم يرد في الكتاب ولا في السنة، بل فيهما ما يناقضه ويبطله، ولا وقع عمليا في التاريخ القديم ولا المعاصر ، وإنما تم سكُّ هذا المصطلح في أروقة السياسة الصهيونية ، ومن ثَمَّ صُدِّر للمسلمين قبل أربع وثلاثين سنة عقب انتصار المسلمين على اليهود في حرب العاشر من رمضان ، ثم إدخال النفط كسلاح في الحرب ؛ فاخترع الصهاينة هذا الشعار ورفعوه لتخفيف الضغط عليهم ، ورد المسلمين عنهم ، فحصل لهم ما أرادوا.ثم صار سلاحا يستخدمونه إذا رأوا أن المعارك ليست في صالحهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت