هكذا كان إنكاره صلى الله عليه وسلم للمحدثات ، وقد خالف أناس في زماننا ، فجعلوا دينهم الاعتذار لأهل البدع ، والتهوين من خطرها ، وتضخيم بعض رموزها ، باسم الوسطية ومصلحة الدعوة ، ووحدة الصف ، ومقتضيات العصر ، وتحسين صورة الإسلام عند الغرب ، وهذا نذير شؤم إذ إن شبابنا لن يفرق بعد ذلك بين السنة والبدعة ، وأي ضلال بعد هذا !
[ إنكار البدع ] :
وإنك لتعجب من أهل البدع يربون صبيانهم وشبابهم على بغض أهل السنة ، فكيف لا نربي نحن شبابنا على بغض البدعة ورموزها .
ولكن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ يقول:"حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". فكم أفسد الدين تمشيخ أقوام لا يفقهون عقيدة السلف وما يضادها . ولا يخفى ما تقدم به فتاوى القنوات الفضائية وحواراتها الدينية من خلخلة الثوابت العقدية ، وتشكيك في مسلمات الدين ، فصارت عقيدة الإسلام مادة للحوار الإعلامي المثير وللمشاهدين النهاية أن يأخذ بتلك العقيدة أو يدعها ، تبعاً لمهارة أحد المتحاورين ، فالله المستعان .
أيها المؤمنون: إن هذا الخطر على العقيدة لا يمكن تجاهله ، بل الواجب رده وإبطاله ، ولن يكون ذلك إلا بالدعوة إلى الله وفق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي سار عليه الأئمة المصلحون كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ألا وهو تصحيح عقائد الناس ، وبيان التوحيد وما يضاده من الشرك والبدع ، مسألة مسألة بعيداً عن العمومات والفلسفات الدعوية التي لا طائل من ورائها: إنما هو الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح .
[ إنكار البدع ] :
يصاحب ذلك عرض سيرالأئمة الذابين عن حياض التوحيد على الشباب ، وتعظيمهم في النفوس ، مع التنفير من المحدثات وأهلها . ووالله إن بلادنا قامت على دعوة الإمام المجدد التي نصر الله بها السنة وأظهر مذهب السلف الصالح وقمع البدع وأهلها والتي قامت على الكتاب والسنة وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها والله لغنية عن الفلسفات الدعوية التجديدية الوافدة بل تلك في حاجة إليها . وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه:"عليكم بالأمر العتيق"
وقال ابن سيرين:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"ولكنه حب التجديد ولو إلى الأسوأ .
[ الإنكار على الولاة ] :
وأما الإنكار على الأمراء والولاة فقد بينه الحبيب المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: قال ابن أبي عاصم في كتاب السنة ( 1096 ) : باب كيف نصيحة الرعية للولاة ، ثم روى بسنده عن عياض بن غنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أراد أن ينصح لسلطان فلا يبده علانية ، ولكن يأخذ بيده فليخل به ، فإن قبل منه فذاك ، وإلا كان أدى الذي عليه"
قال العلامة الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
قال: وله شاهد موقوف على عبد الله بن أبي أوفى أخرجه أحمد بسند حسن عنه .
ولما سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين:
لماذا لا تردون على الحكام وتبينون ذلك للناس ، قال رحمه الله: النصح مبذول ، وأما بيان ما نفعله مع الولاة ففيه مفسدتان:
الأولى: أن الإنسان يخشى على نفسه من الرياء فيبطل عمله.
والمفسدة الثانية: أن الولاة لو لم يطيعوا صار حجة على الولاة عند العامة فثاروا وحصل مفسدة أكبر . انتهى كلامه رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته .
فليحذر من يتهم العلماء بالتقصير فإن الله حسيبه يوم القيامة .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد..
فإن من المعلوم أن الحق والباطل لا زالا في صراع منذ قيام الدنيا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإن في قصص الزمان عبرة للمعتبر وعظة للمتعظ، وحريٌّ بالمرء أن يطلع على قصص التاريخ فإن فيها دروسا وعبرا وعظات.
وإننا في هذه الكلمات نريد أن نتكلم حول سقوط الدولة العباسية، تلك الدولة العظيمة التي عمّرت ردحاً من الزمن وكان سقوطها عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين، وهذه هي سنة الله جل وعلا في خلقه، قال سبحانه وتعالى: {حتى إذا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظن أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قدِرُونَ عَلِيْهَآ أَتاها أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْناهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْن بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نفصلُ الآيات ِ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ} (1) .
وقال نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه:"حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (2) .
ولكن الذي يتأمل هذه القصة يعلم علم اليقين أنها مأساة، وأنها ليست بقصة تذكر وتمر، فهي قصة ولكنها في الحقيقة غصة في حلق التاريخ، ويندى لها جبين البشرية، وتتصدع لهولها الجبال الراسيات، وعقت الأيام والليالي أن تلد مثلها.
فإن الذي يتأمل فيها يجد محناً وويلات جُرت على الأمة الإسلامية بسبب غفلة وحسن ظن وطيب نية، استغلها من في قلبه حقد ودغل على الإسلام وأهله وقد بات في خلده حلم لا يغيب يتمثل بتغيير الواقع المنير إلى واقع مظلم بئيس.
إن الدولة الإسلامية منذ قيام دولة بني العباس قد دب فيها التفرق والاختلاف، فحين خرج أبو العباس السفاح على دولة بني أمية فرَّ عبد الرحمن الداخل -رحمه الله- وأقام دولة بني أمية في بلاد الأندلس، وهذا هو بداية التفرق، على أن حصول التفرق في الأمة الإسلامية منذ ذلك التاريخ كان على مراحل، وكلما تقدم الزمن كان يظهر التفرق جليا واضحاً، ففي البداية كان هناك دولة بني العباس ودولة بني أمية الثانية التي أقامها عبد الرحمن الداخل، وبعد ذلك بدأت تخرج تلك الدويلات، فظهرت دولة خوارزم، ودولة السلاجقة، والدولة الأيوبية، ودولة العبيديين الفاطميين الرافضة في مصر، وهكذا، ولكن هذا التفرق كما ذُكر جاء على مراحل.
وفي عام 616هـ كان ظهور التتار وهم الذين سقطت الدولة العباسية على أيديهم، وواكب ذلك أن دولة بني العباس في هذا التاريخ كانت دولة ضعيفة بالنسبة لما قبلها، فقد كانت سيطرتها الفعلية فقط على بغداد ونواحي بغداد، وكانت الدويلات الصغيرة التي ذُكِرَت وغيرها قد انتشرت في العالم الإسلامي.
في عام 616هـ كان الحاكم للدولة العباسية الناصر، والناصر هذا كان أطول بني عباس مدة، فقد حكم من عام 575هـ إلى عام 633هـ، وقد ذُكر من سيرته أنه كان شحيحا، وقد وضع المكوس التي أثقلت كاهل الأمة ومن ولاه الله عليهم، وقد بقي في الخلافة إلى سنة 622هـ ثم خلفه بعده ابنه الظاهر، والظاهر -رحمه الله- كان عدلاً حسن السيرة مع من ولاه الله عليهم، وكان وقوراً ديناً عاقلاً وهو أسن بني العباس من ناحية الحكم، فقد كان عمره حين تولى الخلافة اثنين وخمسين عاماً، وقيل فيه من ناحية العدل والإحسان أنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدل منه لو طالت مدته، فإنه لم تمض عليه بعد توليه الخلافة تسعة أشهر حتى توفي رحمه الله.