فهرس الكتاب

الصفحة 9232 من 9994

بل إن أهل الخوف هم المتقون، قال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنِ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:48، 49] . ولقد سمى الله جل وعلا من يخافونه أبرارًا فقال: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:5-7] ، ووصفهم بأنهم الذين يسارعون إلى الخيرات فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-61] . عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ فقالت: يا رسول الله، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: (( لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل ) ). قال الحسن رحمه الله:"عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا، ولقد أمر الله نبيه أن يقول: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:13] ، فكيف بغيره من أهل المعاصي والسيئات المرتكبين للكبائر والموبقات؟!".

أيها المسلمون، إن الخوف من الله جل وعلا سبب لمغفرة الذنوب وحصول الأجر من الله، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] ، وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرّوني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغُفِر له ) )، وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: (( يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شَظِيّة بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة ) )رواه أبو داود.

بل إن الخوف من الله ـ أيها المسلمون ـ وخشيته في الخلوات من أسباب الاستظلال بظل الله جل وعلا والأمن يوم القيامة من النار، فعن أبي هريرة عن النبي قال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) )، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضَّرْع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) )، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) )، وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) )، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله: (( يا عائشة، إياك ومحقرات الأعمال؛ فإن لها من الله طالبًا ) ).

ألا فاتقوا الله أيها المسلمون، وخافوا لقاءه، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] .

الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوا أمره ونهيه ولا تعصوه.

واعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن عدم الخوف من الله جل وعلا وانتهاك محارمه في السر والخلوات سبب كبير من أسباب حبوط الأعمال، فعن ثوبان مولى رسول الله عن النبي أنه قال: (( لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بِيضًا فيجعلها الله عز وجل هباءً منثورًا ) )، قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: (( أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) ). الله أكبر أيها المسلمون! ما أشد انطباق هذا الحديث على أحوال كثير من الناس اليوم! وما أقل ما يخافون الله إذا خلوا بمحارمه!

ألا فاتقوا الله عباد الله، وفرّوا إلى الله إني لكم منه نذير مبين، فكفى بالمرء علمًا وتقوى أن يخشى الله ويخافه، وكفى به جهلاً بربّه أن يتجرّأ على معصيته ومخالفة أمره، وهو كما قال عن نفسه سبحانه: لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5] ، يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] .

الخطبة الأولى

أما بعد..

أيها المؤمنون اتقوا الله وذروا ظاهر الإثم وباطنه فإن الذنوب والآثام أصل كل بلاء ومصدر كل فتنة وسبب كل فساد في البر أو البحر كما قال الله تعالى: ?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? (1) فكل بلاء وحادثة وكل فتنة وكارثة وكل تغير في أحوال الناس فبسبب ذنوبهم وما كسبت أيديهم قال تعالى: ?وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ? (2) .

فاتقوا الله أيها المؤمنون وأقلعوا عن الذنوب والمعاصي واحذروا مكر الله تعالى فإن مكر الله بأعدائه شديد قال الله تعالى: ?أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ` أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ` أو يَأْخُذَهُمْ على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم? (3) وقال الله تعالى: ?أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ ` أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ ` أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ? (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت