أيها المسلمون، لو سئل الناس في هذا الزمان: من الرجال؟ وما مواصفاتهم؟ لأجاب أحدهم بملء فيه والنشوة تغمره: إنهم أهل القوة والفتوة، الذين لا يهابون المواقف، ولا يخافون الأحداث، ولقال آخر: إنهم أهل الجود والكرم، من يذبحون وينحرون، ويكرمون الضيف ويعزمون. ولقال ثالث: إنهم أهل الفزعة والنخوة، من يتوسّطون للقريب لدى المسؤولين، ويلقون بثقلهم ووجاهتهم لخدمة المحتاجين. أما لو بحثنا في كتاب الله وتتبعنا آياته لنعرف من الرجال الحقيقيون لوجدنا أن لهم صفات كثيرة أجلّ من ذلك وأكبر، وأعلى مما يراه الناس وأغلى، واقرؤوا إن شئتم وتدبروا قوله جل وعلا: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] ، واتلوا إن أردتم وتأملوا قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23] ، ومن شاء فليقرأ بإمعانِ نظر قوله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38] .
إنها صفات عظيمة لرجال عظماء، متطهرين مصلين، صادقين موفين، مجاهدين مرابطين، سائرين على الجادة متبعين، غير مبدلين ولا مغيرين، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن عبادتهم وأداء حقوق ربهم، مسبحين ذاكرين، خائفين من ربهم وجلين، فيا لهم من رجال، ويا لها من صفات، كل صفة منها جديرة بأن تفرد في سِفْر جليل، وتؤلّف فيها الخطب، ولكننا اليوم سنقتصر على الحديث عن صفة من صفات هؤلاء الرجال، تلكم هي صفة الخوف من الله جل وعلا والخشية من يوم الحساب، والتي ضعفت في قلوب كثير من الناس اليوم، فتركوا كثيرًا من الطاعات تهاونًا وكسلاً، وارتكبوا كثيرًا من المعاصي والمنكرات تجاوزًا وتجرؤًا.
أيها المسلمون، إذا كان الرجال في مقاييسنا الدنيوية هم الشجعان المقدَّمون وهم الذين لا يخافون من أحد ولا يخشون سطوة غيرهم فإنهم على العكس من ذلك إذا وزنوا بميزان الآخرة، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم أشجع الناس وأقواهم بأسًا، وقبلهم كان رسول الله أشجع الناس وأقوى الناس، لكنهم إذا نظرت إليهم مع ربهم وخالقهم جل وعلا وجدتهم أخشى الناس له وأخوفهم من عذابه، يقوم الرسول حتى تتفطّر قدماه، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، ويبكي من خشية الله عندما قرأ عليه أحد أصحابه آيات من القرآن، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله: (( اقرأ علي ) )، فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (( نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري ) )، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] ، فقال: (( حسبك الآن ) )، فإذا عيناه تذرفان. ويقول عليه الصلاة والسلام: (( أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له ) ). وكان أبو بكر الصديق رجلاً أسيفًا بَكّاء من خشية الله، وعمر الفاروق يبكي في صلاته حتى لا يُدْرَى ما يقول، وكان في خدّيه خطّان أسودان من البكاء من خشية الله، ومثله عثمان الذي هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، وعبد الرحمن بن عوف أُتِي بطعام وكان صائمًا، فقال: قُتِل مصعب بن عُمَير وهو خير مني، كُفِّن في بُرْدَة إن غُطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطِّي رجلاه بدا رأسه، قال الراوي: وأراه قال: وقُتِل حمزة وهو خير مني، ثم بُسِط لنا من الدنيا ما بُسِط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. هؤلاء والله هم الرجال، أهل الخوف والخشية من الله سبحانه.
بل إن الخوف من الله ـ أيها المسلمون ـ من صفات أصحاب العقول وأولي الألباب، حيث يقول الله في ذلك: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:19-21] ، أهل الخوف من الله هم الذين ينتفعون بكتابه ويتذكرون بآياته، قال سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] ، وقال جل وعلا: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] ، وقال سبحانه: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:15-17] ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"وقوله تعالى: وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الذاريات:37] فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى، كما قال الله تعالى في موضع آخر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ [هود:103] ، وقال تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] ، فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم، ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة، وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ".