أولاها: إن اشد الناس حماسة واندفاعاً وتهوراً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد وتقع الواقعة، ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالباً ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة، فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل دون تقدير للتكاليف والعواقب حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا ومما تصوروا، على حين يثبت أولئك الصابرون المتحملون للضيق والأذى بعض الوقت، ويعدون للأمر عدته فيصبرون ويتمهلون، والمتهورون المندفعون المتحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافاً أو متخاذلين، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالاً وابعد نظراً، فكم من أناس استعجلوا البلاء قبل أوانه فلما أصبحوا تحت وطأته ضعفوا وانتكسوا.
ثانياً: إن الحديث عن هذه الأحداث المؤلمة لا عن رفضها واستهجانها واستنكارها فذلك مما لا يختلف عليه اثنان ومما اجتمع العقلاء والعلماء عليه، وأي مسلم عاقل يرتضي أن تسفك الدماء أن تهدد الجهود والطاقات وأن تفتح ثغرات للمنافقين ليشتموا فيها وأهله، وأي مسلم يرتضي تلك المواجهات الخاسرة التي يستفيد منها سوى العدو المشترك. وأي مسلم يرتضي أن تقدم أرواح مسلمة في سبيل نتائج هزيلة.وإنما الحديث الذي يجب أن يطرح: ماذا عملنا لمواجهة هذه الفتنة.
لا بد أن نسلّم بأن فئة ممن تقوم بهذه الأعمال ينطلقون من منطلقات شرعية وغير دونية والتبس عليهم الحق بالباطل فماذا قدمت الأمة لتصحيح هذه المفاهيم وبيان الحق وإزالة الإشكالات بأسلوب حواري متجرد يقوم على الدليل ويستند إلى الواقع.ولا بد أن نسلم بأن كيد الأعداء وطغيان الكفر وإذلال الغرب للمسلمين تلك أمور تدفع فئة من الشباب للانتقام من الكافرين. استناداً لأدنى شبهة ودون مراعاة للمصالح والمفاسد فماذا عملنا لامتصاص حماسهم، وتقييد عواطفهم بقيد الشريعة، ماذا عملنا أمام صور القهر والإذلال التي تمارسها أمريكا في سجون العراق، وما تفعله لأسرانا في كوبا، وما يفعله اليهود في فلسطين حتى القنوت وبيانات الاستنكار بخلنا بها.ولا بد أن نسلم بأن الصراع والمواجهة ليس مع فئة محددة أو مجموعة معينة أو تنظيم قائم، وإنما هو صراع مع أفكار ومفاهيم وشبهات رسخت في اذهان بعض الشباب، والصراع على الفكر لا يواجه إلا بالحكمة والهدوء، والعنف لا يزيد الفكر إلا انتشاراً ولا يكسبه إلا تعاطفاً، والطرح المتشنج لا يزيد النار إلا اشتعالاً ولا يزيد الخصم إلا عناداً أو استمراراً.إن وصف هذه الفئة بالكفر والخروج والتهجم عليهم والسخرية من منطلقاتهم يجعلهم أكثر إصراراً على أفكارهم، وما أجمل العدل في الأحكام حتى مع الخصوم، وما أجمل موقف الإمام علي رضى الله عنه وقد سئل عن الخوارج الذين قاتلوه وقتلوا مجموعة من الصحابة الكرام، فلما سئل: أكفار هم، قال: معاذ الله،من الكفر فروا، إنما إخواننا بغوا علينا، فما أجمل هذا المنطق الهادئ مع منطق الحوار الذي تمثله ابن عباس والذي أنتج تراجع الكثير من أصحاب الفكر المنحرف.
ثالثاً: لا بد أن نسلم بأن الطرف العلماني والشهواني والرافضي والبدعي هو الدافع والمحرك لما يسمى بالتطرف الديني.كيف نحارب العنف والتطرف وفي مجتمعنا من يغذيه بأسلوب استفزازي بطروحاته السامجة ومقالاته الساقلة .. كيف نحارب العنف وفينا من يتفاخر بالكفريات في وسائل الإعلام وينافح عن كلماته القذرة في الذات الإلهية..وكيف نحارب العنف وفي صحافتنا مقالات تسخر بالجهاد والمجاهدين وتلمز المتدينين وتهاجم السلف الصالح وتستهزئ بإرثهم..كيف نحارب العنف من مجتمعنا وفينا من يزرع بذوره بالأقلام الساقطة والقنوات الهابطة..وكيف وكيف وكيف...إننا يوم أن ندع أهل الفسوق والعصيان يستعلنون بفسقهم ويفتخرون بمكاسبهم فإننا نفتح ثغرات ينفذ أهل العنف من خلالها ليبرروا عنفهم ويؤصلوا أفكارهم..
رابعاً: حاشا أن نكون بذلك مبررين لهذه الأعمال المنكرة أو متعاطفين معها، لكننا ندرك أن العدل في الأحكام والتوسط في الطرح والتوازن في النظرة هو الواجب على المسلم الناصح والصالحون نصحه والمنافقون غششة وإن الله لا يهدي كيد الخائنين.
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، له العزة والكبرياء، يحكم مايشاء ويختار، والذين يمارون في عزته أو يتشككون في قدرته أولئك هم الحاسرون.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يديل أمما من الناس على أمم تارة، وقد تكون هذه الإدالة بداية النهاية.ويمتحن آخرين فيسلط عليهم أعداءهم، وقد يجعل الله في ثنايا المحن منحا إلهية، وقد يكون بداية النصير المؤزر على إثر الهزيمة الساحقة.وأشهد أن محمدا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده وناله وأصحابه من ألوان الأذى من أعدائه مالم يستكينوا معه أو ييأسوا ومازالوا يتضرعون حتى كان النصر والفتح المبين... اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.اتقوا الله معاشر المسلمين، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } .إخوة الإسلام: المتتبع لتاريخ العلاقات مابين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقدا مريرا يملأ صدور الغرب حتى درجة الجنون، يصاحب هذا الحقد خوف رهيب من الإسلام والمسلمين. وهذا الحقد وذلك الخوف! ليس مجرد إحساس نفسي لا ظل له ولا أثر في الوجود، وإنما من أهم العوامل التي تبني وتبلور عليها مواقف الحضارة الغربية من الشعوب المسلمة سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وسائر جوانب الحياة ا لأخرى.